عمل أدبي تجاوز الأطر التقليدية.. زوايا مختلفة في رواية "سِفر العمى" للكاتبة منى عبد اللطيف
تأتي رواية "سِفر العمى" للكاتبة منى عبد اللطيف كعمل أدبي استثنائي يتجاوز الأطر التقليدية، ليمزج بين ألوان أدبية متباينة تشمل التاريخ، والديستوبيا، والجريمة، والفانتازيا.
تأخذ الرواية قارئها في رحلة وجودية ونفسية عميقة، تتنقل عبر عوالم متعددة تتلاقى فيها تفاصيل الواقع المعاش بظلال الأسطورة، لتعكس الصراعات الداخلية الحادة والتحديات الروحية التي تواجه الإنسان.
القضايا الاجتماعية والعمق الإنساني
تغوص الرواية في قلب المجتمع لتطرح قضايا بالغة الحساسية والأثر، ومنها:
الآثار النفسية والبدنية للختان: رصد المعاناة الممتدة للمرأة وتأثير هذه الجريمة على حياتها الزوجية.
التنمر والعلاقات الأسرية: تسليط الضوء على الغيرة بين الأخوات، والتفرقة في المعاملة الوالدية.
ابتزاز اليتيم عاطفيًا: مناقشة فكرة إلزام الشخص الفاقد لأهله بالامتنان الدائم وسلبه حقوقه بحجة التربية.

الذاكرة التاريخية: بورسعيد والعدوان الثلاثي
تنقلنا الرواية إلى حقبة تاريخية مجيدة، مستحضرةً بسالة شعب بورسعيد إبان العدوان الثلاثي عام 1956، وتركز الكاتبة بشكل خاص على الدور الاستثنائي للمرأة في المقاومة والتمريض عبر الهلال الأحمر.
ولا تكتفي الرواية برصد المعارك، بل تتسلل إلى داخل بيوت "حي العرب" الضيقة بتفاصيلها المعمارية (الخزنة، الفسحة، الرواق) التي كانت، رغم ضيقها، تتسع للحب والتكافل؛ لتعكس كيف أثرت الحرب على البنية النفسية والعائلية للمجتمع في تلك الفترة.
ميثولوجيا، فلسفة، وسفر عبر الزمن
في الجانب الغرائبي والفلسفي، تفتح الرواية آفاقاً وتساؤلات كبرى:
صراع النور والظلام إذ تستلهم الرواية الأسطورة المصرية القديمة لمعركة "رع" و"أبوفيس" (الشيطان)، لتطرح سؤالاً فلسفياً: "ماذا لو كان الشيطان خازن الدنيا، ويحاول تغيير مصير العالم لمنع نهايته الحتمية؟" وكيف يقع هذا الشيطان في حب فتاة تُدعى "ناجية"؟.
انفصام الجريمة.. يظهر في الأحداث سفاح مصاب بفصام الشخصية، تتحكم به ذات مسيطرة تُدعى "آدم"، تتقاطع خيوطه مع بقية الأبطال.

الرحلة الروحية.. تتبع الرواية مسار طبيب باحث عن الإيمان، تبدأ رحلته بالشتات الفكري وتنتهي بيقين روحي راسخ.
الملك ديدوموس وقوانين "الماعت"
من خلال آلية السفر عبر الزمن، يظهر ملك فرعوني يُدعى "ديدوموس" يصطدم بقوانين التسامح المصرية القديمة (الماعت) مع بشاعة وواقع العالم المعاصر.
اقتباس من الرواية: سقوط ديدوموس على أرض فلسطين
"في تلك الأيام، استحال البشر إلى قطعان من الببغاوات؛ يرددون الكلمات بلا وعي، والأدهى أنهم يظنون ما يرددونه عبقرية ونواميس نبتت من عقولهم الخاوية. جميعهم مؤمنون ببعضهم، يشجعون ويهتفون ويصفقون لبعضهم، ويقتلون من يتخلف عن القطيع! قل لي، أهناك عقاب أقسى من حياتي التي لا تنتهي وسط هذا العالم؟
لم أعد أستطيع النظر في عينيه، وأدركت هواني وهوان ألمي أمام ما يعانيه هو وذلك الشعب. لكني لم أدرك لِمَ أرسلتني 'ماعت' إلى هذا الزمان بالتحديد، وأين هي من كل ما يحدث؟ أين إرثنا الذي حرصنا على تدوينه وتوريثه للأجيال التالية؟ والأهم، كيف ضعفت 'كيميت' (مصر الكتمية) وتمزقت فانفصلت عنها بلاد كنعان، وضاع كل ما بنيناه؟.

نعم، لقد ضاع بالتأكيد؛ سرقه لصوص الجهل فتعلموا، وتركوا أبناءنا بلا علوم، جهلاء ضعفاء يأكلون أخضرهم كالجراد، وتسقطهم أسلحتهم. أجساد خاوية ودماء مهدورة بلا ثمن، بلا قيمة يلتفت إليها العالم أو يلتفتون بها لأنفسهم.. فهم منقسمون فيما بينهم، لا يملكون سوى الافتراء على بعضهم البعض.. فهم أضعف من الحقيقة؛ تلك الشهيدة التي وأدتها أكاذيب هذا العالم."
يصور هذا الجزء الصدمة الحضارية والفلسفية للملك "ديدوموس" عند سقوطه عبر الزمن في واقعنا المعاصر، وتحديداً على أرض فلسطين النازفة بالقرب من حائط البراق (المبكى).
وأمام التخبط والفرقة والعنف الذي يشهده، يتبادل الحديث مع شخصية "أوسر"، لتبدأ الأسئلة الوجودية بالتدفق وتتوالى الصدمات.
من هنا، تتشابك خيوط الحكاية المعقدة لتجمع في نسيج واحد بين: الحاضر، وفترة العدوان الثلاثي، ومصر القديمة، والمستقبل الديستوبي، وقصة الفتاة التي غيرت لعنة الشيطان حياتها وحياة عائلتها؛ مما يدفع القارئ إلى رحلة تفكيك ممتعة وشيقة لفك رموز هذا العمل النفسي والفلسفي المتميز.