«البهنسا».. البقيع الثاني في قلب المنيا وكنز مصر الأثري والديني
تُعد قرية البهنسا التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا واحدة من أهم وأشهر المناطق الأثرية والدينية في مصر، حيث تجمع بين عبق التاريخ وقدسية المكان، حتى أطلق عليها الكثيرون لقب "البقيع الثاني" أو "مدينة الشهداء"، لما تحتضنه أرضها من مقامات وأضرحة تنسب لآلاف الصحابة والتابعين والشهداء الذين استشهدوا خلال الفتح الإسلامي لمصر.

موقع جغرافي متميز
تقع البهنسا غرب مركز بني مزار بمحافظة المنيا، على بعد نحو 15 إلى 16 كيلومترًا، وتُعد من أبرز المقاصد الدينية والسياحية في صعيد مصر، حيث تستقبل آلاف الزائرين سنويًا من مختلف محافظات الجمهورية، إلى جانب وفود من بعض الدول العربية والإسلامية.

تاريخ عريق يمتد لآلاف السنين
تمثل البهنسا نموذجًا فريدًا للتنوع الحضاري، إذ تضم آثارًا تنتمي إلى الحضارات الفرعونية واليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية، وقد عُثر بها على العديد من البرديات والآثار التي تؤكد أنها كانت مركزًا حضاريًا وتجاريًا مهمًا عبر مختلف العصور.

واشتهرت المدينة قديمًا بأسوارها الحصينة وأبوابها الضخمة، حيث وصفها المؤرخون بأنها كانت مدينة ذات أربعة أبواب، يعلو كل باب ثلاثة أبراج، وتمتعت بتحصينات عسكرية قوية جعلتها من أبرز مدن الصعيد قديمًا.

كما عُرفت البهنسا خلال العصر الإسلامي بأنها قلعة من قلاع صناعة الغزل والنسيج، واشتهرت بإنتاج المنسوجات الفاخرة الموشاة بالذهب، بل وكانت مركزًا لصناعة كسوة الكعبة المشرفة خلال العصر الفاطمي.

البهنسا والفتح الإسلامي للصعيد
شهدت البهنسا واحدة من أبرز المعارك خلال الفتح الإسلامي لمصر، إذ انطلقت الجيوش الإسلامية لفتح الصعيد في العاشر من ربيع الأول عام 21 هجرية، بقيادة خالد بن الوليد، الذي أرسل الصحابي القيس بن الحارث المرادي على رأس ألف فارس كطليعة للجيش الإسلامي.

وضمت الحملة عددًا كبيرًا من كبار الصحابة وأمراء المسلمين، من بينهم جعفر ومسلم وعلي أبناء عقيل بن أبي طالب، وسليمان بن خالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة كاتب الوحي، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة.

وعندما وصلت الجيوش الإسلامية إلى البهنسا، واجهت مقاومة شديدة من الحامية الرومانية، ودارت معارك عنيفة انتهت باستشهاد أعداد كبيرة من المجاهدين، وتحولت أرض البهنسا إلى مقبرة للشهداء، لتصبح واحدة من أهم المزارات الإسلامية في العالم.

كما شهدت المنطقة معارك أخرى شهيرة، من بينها معركة "بردنوها"، التي تعد من أبرز معارك الفتح الإسلامي للصعيد.
جبانة الشهداء.. أكبر مقبرة إسلامية مفتوحة في مصر

تضم البهنسا واحدة من أكبر الجبانات الإسلامية في مصر، إذ تمتد جبانة الشهداء على مساحة تقترب من 90 فدانًا، وتحتوي على آلاف المقابر وعشرات القباب والأضرحة، من بينها أكثر من 15 قبة أثرية مسجلة ضمن الآثار الإسلامية.

أكد عدد من المؤرخين أن البهنسا تضم رفات ما يقرب من خمسة آلاف صحابي، من بينهم نحو 70 صحابيًا ممن شهدوا غزوة بدر، وهو ما منحها لقب "البقيع الثاني" أو "بقيع مصر".

كما يحرص العديد من المواطنين من مختلف المحافظات على الدفن في البهنسا تبركًا بمكانتها الدينية والتاريخية.
أبرز المقامات والأضرحة
تزخر البهنسا بالعديد من المقامات والأضرحة التاريخية والدينية، ومن أشهرها:
_ مقام الأمير زياد بن الحارث بن عبد المطلب.
_ مقام محمد بن عقبة بن عامر الجهني.
_ مقام القاضي علي الجمام، ويجاوره مسجد شُيد على الطراز الإسلامي ذي الطابع الأندلسي.
_ ضريح عقيل بن أبي طالب.
_ ضريح محمد الأنصاري.
_ ضريح البدريين، الذي يضم رفات عدد من الصحابة الذين شاركوا في غزوة بدر.
_ ضريح السيدة رقية.
_ ضريح محمد الخرسي.
_ ضريح الحسن الصالح، ويجاوره أحد أقدم المساجد التاريخية بالمنطقة.
_ مقام الشيخ التكروري، الذي يحظى بمكانة خاصة لدى أهالي المنطقة.
_ مقام السبع بنات، الذي يرتبط بالعديد من الروايات التاريخية المتوارثة حول الفتح الإسلامي لمصر.

ومن أشهر الصحابة الذين تنسب إليهم مقامات أو أضرحة بالبهنسا، عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق، والحسن بن زين العابدين بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن أبي ذر الغفاري، وعلي بن عقيل بن أبي طالب، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، وخولة بنت الأزور، والقعقاع بن عمرو.
شجرة السيدة العذراء، شاهد على رحلة العائلة المقدسة.

ولا تقتصر أهمية البهنسا على التراث الإسلامي فحسب، بل تضم أيضًا أحد أبرز المعالم المسيحية، وهي شجرة السيدة مريم العذراء، التي يعتقد أن السيدة العذراء والسيد المسيح عليهما السلام ويوسف النجار استظلوا تحتها خلال رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر، ما يمنح المكان أهمية روحية كبيرة لدى الزائرين.

اهتمام الدولة بتطوير البهنسا
شهدت منطقة البهنسا خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا واسعًا من الدولة المصرية، في إطار خطة متكاملة لصون التراث وتعظيم الاستفادة من المقاصد التاريخية والدينية.
وشملت أعمال التطوير تمهيد الطرق المؤدية إلى المنطقة، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتحسين البيئة المحيطة، وإحياء الهوية البصرية والحضارية للموقع، إلى جانب ترميم 14 قبة أثرية لعدد من الصحابة المدفونين بالمنطقة.

وتستهدف الدولة تحويل البهنسا إلى مقصد عالمي للسياحة الدينية والثقافية، مع الحفاظ على طابعها الإسلامي والأثري.
وفي هذا الإطار، تعمل وزارة الأوقاف على إعداد موسوعة تاريخية وثقافية موثقة عن البهنسا، تضم كل ما كُتب عنها في الكتب والمراجع والرسائل العلمية، إلى جانب إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق ذكي يقدمان خريطة تفاعلية وإحداثيات دقيقة للمقامات والمعالم الأثرية.

قبلة للسياحة الدينية والثقافية
وتبقى البهنسا واحدة من أهم المزارات الدينية والأثرية في مصر، بما تحمله من قيمة تاريخية وروحية وحضارية فريدة، تجعلها شاهدًا حيًا على صفحات مضيئة من التاريخ المصري والإسلامي، ووجهة رئيسية لعشاق السياحة الدينية والثقافية من داخل مصر وخارجها.



