التشدد أم الاعتدال؟.. أمين الفتوى يوضح متى يتحول الورع إلى مخالفة شرعية
أكد الدكتور أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن مفهوم الورع في الإسلام كثيرًا ما يُساء فهمه لدى بعض الناس، موضحًا أن التزام جانب الاحتياط في الدين لا يعني أن يختار المسلم دائمًا الرأي الأكثر تشددًا أو أن يضيق على نفسه فيما وسع الله فيه.
وأوضح أن القاعدة الفقهية الشهيرة التي تنص على أن «الخروج من الخلاف مستحب» لا ينبغي أن تُفهم على أنها دعوة دائمة إلى الأخذ بالأحوط أو بالأشد، وإنما لها ضوابط وأحكام دقيقة قررها علماء الفقه، بما يحقق مقاصد الشريعة القائمة على اليسر ورفع الحرج.
مراتب الورع في الإسلام
وأشار أمين الفتوى إلى أن الورع ليس درجة واحدة، بل تتعدد مراتبه بحسب طبيعة الفعل وآثاره، موضحًا أن أعلاه هو الورع الواجب، ويتمثل في اجتناب المحرمات التي نهى الله عنها، كما يوجد الورع المستحب، وهو الابتعاد عن الأمور المشتبهة خشية الوقوع في الحرام.
وأضاف أن الأمر قد ينقلب في بعض الحالات، فيصبح ما يظنه الإنسان ورعًا أمرًا مكروهًا أو حتى محرمًا، إذا ترتب عليه ترك ما أباحه الله أو التشدد المخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أن الإسلام دين الاعتدال والتوازن، وليس دين الغلو أو الإفراط.
واستشهد الدكتور أحمد ممدوح بموقف نبوي واضح يجسد منهج الإسلام في رفض الغلو، عندما جاء ثلاثة رجال يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما علموا بها رأى بعضهم أنها قليلة بالنسبة لهم، فقال أحدهم إنه سيقوم الليل ولا ينام، وقال الآخر إنه سيصوم الدهر ولا يفطر، بينما أعلن الثالث أنه لن يتزوج النساء.
وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقر هذا الفهم، بل غضب وخطب في الناس، مؤكدًا أنه أكثرهم خشية لله وتقوى، ومع ذلك كان يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء، ثم قال كلمته الحاسمة: «من رغب عن سنتي فليس مني».
وأشار إلى أن هذا الحديث يمثل أصلًا شرعيًا يؤكد أن المبالغة في التشدد بدعوى الورع ليست من منهج الإسلام، وأن مخالفة السنة باسم الاحتياط لا تعد فضيلة، بل خروجًا عن الاعتدال الذي جاءت به الشريعة.
وأضاف أمين الفتوى أن بعض الأشخاص يظنون أن الاستجابة للوساوس نوع من الاحتياط للدين، بينما الحقيقة أن الفقهاء حذروا من ذلك، لأن الوسواس يؤدي إلى تعذيب النفس وإرهاقها، وقد يتسبب في تعطيل العبادات أو التنفير منها.
وأكد أن الشريعة الإسلامية قامت على رفع المشقة عن المكلفين، مستشهدًا بقواعدها الكلية التي تدعو إلى التيسير وعدم تحميل النفس ما لم يأمر الله به، موضحًا أن المبالغة في الاحتياط إذا خرجت عن حدود الاعتدال تصبح مخالفة لمقاصد الشرع.
ما المقصود بقاعدة «الخروج من الخلاف مستحب»؟
وتناول الدكتور أحمد ممدوح شرح القاعدة الفقهية المتعلقة بالخروج من الخلاف، موضحًا أنها تعني أن يختار المسلم – في بعض المسائل المختلف فيها – رأيًا يحقق صحة العبادة أو المعاملة عند أكثر من مذهب فقهي، إذا كان ذلك ممكنًا دون مشقة أو مخالفة لضوابط الشرع.
وأشار إلى أن الهدف من هذه القاعدة هو تحقيق مزيد من الاطمئنان للمكلف، وليس إلزامه بالأخذ بالرأي الأكثر تشددًا أو تضييق دائرة المباحات التي أقرها الإسلام.
مثال فقهي يوضح كيفية مراعاة الخلاف
وضرب أمين الفتوى مثالًا بمسألة لمس المرأة، وهي من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، حيث يرى الإمام الشافعي أن مجرد اللمس ينقض الوضوء، بينما يرى الإمام أبو حنيفة أن اللمس لا ينقض الوضوء في ذاته.
وأوضح أنه إذا أراد المسلم الخروج من هذا الخلاف، فيمكنه تجديد الوضوء بعد اللمس، فيكون قد أدى عبادته بصورة صحيحة وفق الرأيين، دون أن يعني ذلك أن الرأي الآخر باطل أو غير معتبر.
وأكد الدكتور أحمد ممدوح أن قاعدة الخروج من الخلاف ليست مطلقة، وإنما تحكمها ضوابط دقيقة، من أهمها ألا يؤدي الخروج من خلاف فقهي إلى الوقوع في خلاف آخر أشد منه، وألا يكون الخلاف ضعيفًا أو غير معتبر بين أهل العلم.
وأضاف أن مراعاة الخلاف تبقى من باب الاستحباب والاختيار الشخصي، وليست واجبًا شرعيًا يُلزم به جميع المسلمين، ولذلك لا يجوز تحويلها إلى وسيلة للتشدد أو إصدار الأحكام على الناس.
لا إنكار في مسائل الخلاف المعتبر
وشدد أمين الفتوى على أن من أهم القواعد الأصولية التي تحفظ وحدة المسلمين قاعدة «لا إنكار في مسائل الخلاف المعتبر»، موضحًا أن من أخذ برأي فقهي صحيح ومستند إلى اجتهاد معتبر لا يجوز اتهامه بالتساهل أو التمييع في الدين.
اقرأ أيضاً.. سبب خفي وراء ارتفاع فاتورة الكهرباء.. خبراء يكشفون أهمية الشحن من الشركة
