رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

عمرو عامر يكتب: منير نخلة.. مهندس الفوضى في الشارع

تفصيلة

هناك قصص نجاح اقتصادي تستحق الإعجاب، وهناك قصص نجاح أخرى تستحق أن نتوقف أمامها قليلًا ونسأل: ماذا كسب المجتمع من هذا النجاح؟ وماذا خسر؟..

هذه ليست محاكمة لرجل أعمال، ولا دعوة إلى إنكار حق أي مستثمر في البحث عن الربح، لكنها محاولة لفتح ملف جرى التعامل معه لسنوات باعتباره مجرد قصة ريادة أعمال: قصة تحويل التوك توك من مركبة هامشية إلى ظاهرة واسعة الانتشار في الشارع المصري عبر نموذج البيع بالتقسيط.

منير نخلة نفسه تحدث مؤخرًا عن هذه البداية باعتبارها محطة أساسية في مسيرته؛ فقد قال إن أول عملية بيع للتوك توك بالتقسيط تمت في 15 مارس 2010 بسعر 13,500 جنيه، وإن الشهر نفسه شهد بيع 64 توك توك في الحوامدية وشبرا الخيمة.

وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي لا ينبغي أن نخاف منه: هل كان هذا مجرد نجاح تجاري، أم كان أيضًا قرارًا ساهم في تغيير شكل الشارع المصري وسلوكياته إلى الأبد؟

التقسيط في العموم قادر على تحويل سلعة كان الحصول عليها صعبًا إلى سلعة متاحة لشريحة أوسع بكثير من الناس. وهذه ميزة اقتصادية في الأصل، لكنها كانت طريق منير نخلة إلى الثراء الفاحش والسريع وتم له ما أراد حتي لو كان على حساب منظومة نقل لا تملك الدولة السيطرة الكاملة عليها من حيث الترخيص، والسائق، وخطوط السير، والسلامة، والرقابة وهذا بالضبط ما حدث مع التوك توك، فبدلًا من أن ينمو قطاع النقل غير الرسمي وفق تصور عمراني واضح، أصبح التوك توك ينتشر في الأحياء والشوارع والحارات بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات على تنظيمه.

والأرقام وحدها تكشف حجم الظاهرة فبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى وجود نحو 186,918 توك توك مرخصًا بنهاية 2024، بينما كانت أعداد التراخيص قد بلغت 192,675 مركبة بنهاية 2023، لكن المشكلة ليست في الرقم وحده، بل في أن المجتمع لم يحصل، بالتوازي مع هذا الانتشار، على منظومة رقابة مساوية لحجم الانتشار بينما في المقابل ورثت الشوارع وسيلة مواصلات مشوهة صدرت القبح للجميع مصريين وضيوفا وجريمة تزداد معدلاتها باضطراد من كثير من قادة هذه المركبات التي تزحف كالنمل في الأزقة والشوارع والحواري في طول مصر وعرضها.

بدون شك هناك آلاف السائقين الشرفاء الذين يستخدمون التوكتوك كمصدر رزق، وهناك مناطق فقيرة لا يمكن لسكانها الاستغناء عنه، وهناك أسر تعتمد على دخله، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول وسيلة نقل رخيصة وسهلة الاقتناء إلى مشهد فوضي خارج عن السيطرة ويتمدد كل يوم ومعه ظواهر كارثية مثل سير عكس الاتجاه، القيادة المتهورة، احتلال الأرصفة، عمالة أطفال، التوقف العشوائي إزعاج المواطنين، تصدير الرعب أحيانا عبر جرائم خطف واغتصاب وقتل تضج منها محاضر الشركة كان التزكتوك فيها هو بطل الجريمة ومسرحها.


من غير المنطقي أيضًا أن نتعامل مع نموذج تجاري ساهم في توسيع إمكانية امتلاك هذه المركبات وكأنه حدث اقتصادي بلا آثار اجتماعية، فعندما يكتشف رجل أعمال سوقًا ضخمة، ويدرس احتياج منطقة معينة، ثم يقرر أن يجعل امتلاك التوك توك ممكنًا من خلال التقسيط، فإن قراره يملك أثرًا اقتصاديًا واضحًا ومن الطبيعي أن يكون له أثر اجتماعي أيضًا.

فإذا كان نجاح المشروع يُحسب لصاحبه باعتباره رائد أعمال استطاع اكتشاف احتياج السوق، فمن حق المجتمع أن يسأل عن تكلفة هذا النجاح على السوق نفسه وعلى الشارع وعلى الدولة، فلا يمكن أن نحاسب المستثمر على الأرباح فقط، ثم نقول إن الآثار الجانبية ليست من اختصاصه، هذه ليست دعوة لتحميل الشركات مسؤولية وظائف الدولة.

النجاح الحقيقي ياسيد «نخلة» ليس أن تبيع أكبر عدد ممكن من الوحدات؛ النجاح الحقيقي أن تعرف أيضًا ماذا سيحدث عندما تنتشر الوحدات التي بعتها في مجتمع غير مستعد لتنظيمها فالقبح ليس مجرد مسألة ذوق وهناك من قد يرى الحديث عن "قبح التوك توك" نوعًا من التعالي الطبقي، وهذا اعتراض يجب احترامه، لكنه لا ينهي النقاش فالقضية ليست أن المركبة رخيصة أو أن سائقها فقير القضية أن المدينة لها صورة ونظام والشارع ليس مجرد مساحة مستباحة تتحرك فيها المركبات؛ الشارع جزء من جودة الحياة.

عندما تتحول الحارات والشوارع الجانبية إلى صفوف من المركبات العشوائية، وعندما تختلط السيارات بالتكاتك والموتوسيكلات والباعة والمشاة، وعندما يصبح الرصيف مكانًا متاحًا لكل شيء إلا المشاة، فإننا لا نتحدث فقط عن "منظر غير جميل"، نحن نتحدث عن انهيار تدريجي لفكرة المدينة المنظمة والأخطر أن القبح عندما يتكرر يصبح طبيعيًا.

الطفل الذي ينشأ وسط الفوضى يعتادها والسائق الذي يرى الجميع يسيرون عكس الاتجاه يبدأ في اعتبار الاتجاه مجرد اقتراح والمواطن الذي يرى المخالفة يوميًا يفقد إحساسه بأن القانون قاعدة مشتركة وهنا تصبح المشكلة أعمق من التوك توك نفسه إنها مشكلة تطبيع الفوضى.

في 2014، قال منير نخلة إن التوك توك كان يمثل نحو 90% من حجم أعمال شركته في ذلك الوقت، وإن قرار منع الاستيراد أدى إلى وصول المبيعات إلى الصفر تقريبًا، وهذه المعلومة بالذات تكشف حجم الرهان التجاري الذي كان قائمًا على التوك توك، ثم تطورت التجربة لاحقًا إلى التمويل متناهي الصغر والخدمات المالية والتكنولوجيا المالية، حتى أصبحت "إم إن تي حالا" واحدة من أبرز شركات القطاع.

ومن حق الرجل أن يفخر بهذه الرحلة لكن من حق المجتمع أيضًا أن يقول: لقد نجحتم في بناء نموذج مالي ضخم انطلاقًا من مشكلة رأيتموها فرصة، ونحن نريد أن نعرف من يتحمل مسؤولية الآثار التي خلفتها هذه الفرصة؟

لا نريد شيطنة الفقير.. نريد محاسبة المنظومة أخطر شيء يمكن أن يفعله هذا النقاش هو تحويله إلى معركة ضد سائق التوك توك، المطلوب هو جلد فكرة أن الربح يمكن أن ينفصل تمامًا عن المسؤولية الاجتماعية وإذا كانت الشركات قادرة على دراسة الأحياء لمعرفة أين توجد الحاجة إلى التوك توك، فمن حقنا أن نسألها اليوم: هل تستطيع دراسة الأثر الاجتماعي لما ساعدت على انتشاره؟، وإذا كان رجل الأعمال يفتخر بأنه "ذاكر المنطقة" قبل بيع التوك توك فيها، فالسؤال المنطقي هو: هل دُرست المنطقة فقط باعتبارها سوقًا؟ أم دُرست أيضًا باعتبارها مجتمعًا سيعيش مع نتائج هذا الانتشار؟.

هذه ليست إدانة قضائية إنها محاسبة أخلاقية وفكرية، في النهاية: من يدفع فاتورة النجاح؟ منير نخلة نجح في بناء قصة تجارية لافتة، ولا يمكن إنكار أن تجربة بيع التوك توك بالتقسيط كانت نقطة انطلاق مهمة في مسيرته كما يروي هو نفسه لكن مصر ليست شركة والشارع ليس سوقًا والمواطنون ليسوا أرقامًا في دراسة جدوى، بل لا نتجاوز المنطق إن طالبنا بمحاسبته وتعويض الدولة والمجتمع عما لحق به من بيعة خسر فيها الجميع ولم يربح أحد منها سواه.

تم نسخ الرابط