ستيفن صهيوني يكتب: بيروت إلى طهران: هل بدأت واشنطن وتل أبيب السير في اتجاهين مختلفين؟
تخوض إسرائيل ثلاث حروب في آن واحد: الحرب على غزة، التي تشهد سقوط مدنيين يوميًا؛ والحرب على إيران إلى جانب شريكتها الولايات المتحدة؛ والحرب على لبنان، والتي يُفترض أنها تستهدف حزب الله، لكنها تودي بحياة مواطنين لبنانيين لا علاقة لهم بالحزب.
وقد قُتل أكثر من 3400 شخص في لبنان، وأصيب نحو 10 آلاف آخرين جراء الغارات الإسرائيلية منذ تصاعد القتال في المنطقة.
في الأول من يونيو، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أنهما أمرا بشن غارات جوية واسعة على بيروت، "ردًا على الانتهاكات المتكررة والمستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار من قبل منظمة حزب الله الإرهابية وهجماتها ضد مدننا ومواطنينا".
لكن، وبعد دقائق، أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالًا بنتنياهو أدى إلى إلغاء القصف، بعدما أُبلغ بأن إيران تعهدت بوقف المفاوضات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، وفتح مضيق هرمز، إذا تعرضت بيروت لهجوم واسع.
ويرى ترامب أن التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب التي بدأها يمثل أولوية، ولذلك لم يكن مستعدًا للسماح لنتنياهو بإفشال هذا الاتفاق.
إن أولويات نتنياهو لا تتطابق مع أولويات ترامب؛ فنتنياهو يريد تدمير لبنان من شماله إلى جنوبه، وإسقاط الحكومة اللبنانية التي يعتبرها عاجزة عن نزع سلاح حزب الله.
وتهدف إسرائيل – بحسب المقال – إلى ضم غزة والضفة الغربية المحتلة، وجنوب لبنان وصولًا إلى بيروت، وكذلك الأجزاء الجنوبية من سوريا حتى دمشق، وهي مناطق تنتشر فيها بالفعل قوات ومواقع عسكرية إسرائيلية.
أما هضبة الجولان، فقد أصبحت أمرًا محسومًا بعد أن اعترف ترامب بضمها خلال ولايته الأولى.
وتعتمد إسرائيل على التأثير في ترامب واستغلال فترة وجوده في السلطة إلى أقصى حد ممكن، إلا أن المكالمة الهاتفية لم تسر كما كان نتنياهو يأمل.
وقال ترامب بعد اتصاله بنتنياهو إن المفاوضات مع إيران "لا تزال مستمرة بوتيرة سريعة".
وفي وقت لاحق، أعلنت السفارة اللبنانية في واشنطن أن حزب الله وافق على مقترح أمريكي يقضي بـ"وقف متبادل للهجمات"، وأن ترامب أبلغ السفير اللبناني بأنه حصل على موافقة نتنياهو.
وكتب ترامب لاحقًا:
"أجريت اتصالًا مثمرًا للغاية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بيبي نتنياهو، ولن تتجه أي قوات إلى بيروت، وأي قوات كانت في طريقها قد عادت بالفعل."
لكن تصريح ترامب أظهر – بحسب الكاتب – سوء فهم لما كانت إسرائيل تخطط له، إذ لم يكن هناك أي حديث عن إرسال قوات برية، بل عن موجة واسعة من الغارات الجوية على بيروت.
ويشير المقال إلى أنه في الثامن من أبريل قصفت إسرائيل مئة هدف خلال عشر دقائق، بما في ذلك أحياء سكنية في بيروت لا صلة لها بحزب الله. ومع ذلك، قد يكون حديث ترامب عن قوات تتجه إلى بيروت مؤشرًا على إدراكه للهدف النهائي الذي يسعى إليه نتنياهو.
كما قال ترامب إنه أجرى "اتصالًا جيدًا جدًا" مع "ممثلين رفيعي المستوى" من حزب الله، وافقوا خلاله على أن "يتوقف إطلاق النار بالكامل؛ فلا تهاجمهم إسرائيل ولا يهاجمون إسرائيل".
ويذكر المقال أن نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني، ليس عضوًا في حزب الله، لكنه مثّل المقاومة في بعض المفاوضات، وكان قد أبلغ إدارة ترامب في 31 مايو بأن الحزب مستعد لوقف إطلاق النار.
وبحسب الصحفيين باراك رافيد ومارك كابوتو من موقع "أكسيوس"، فإن المكالمة بين ترامب ونتنياهو كانت حادة للغاية.
وأشار الموقع إلى أن ترامب قال لنتنياهو خلال الاتصال المسرّب في الأول من يونيو:
"أنت مجنون تمامًا. لكنت في السجن لولاي. أنا أنقذك. الجميع يكرهونك الآن، والجميع يكرهون إسرائيل بسبب هذا."
وأضاف التقرير أن ترامب اتهم نتنياهو بأنه السبب وراء تزايد الكراهية العالمية تجاه إسرائيل.
ويرى أكاديميون ومحللون أن الإدانة الدولية المتزايدة للحرب في غزة، إلى جانب غزو لبنان واحتلال أجزاء منه، أسهمت في تصاعد ما يُسمى بموجة معاداة السامية في الغرب. إلا أن المقال يؤكد أن انتقاد سياسات إسرائيل أو أي دولة أخرى لا يمكن مساواته بمعاداة السامية.
ويخضع نتنياهو حاليًا للمحاكمة بتهم الاحتيال وخيانة الأمانة وتلقي الرشاوى في ثلاث قضايا جنائية منفصلة، ويُعتقد على نطاق واسع أن بقاءه في السلطة هو الوسيلة الوحيدة لتجنب السجن.
وانتقد العديد من المسؤولين الإسرائيليين علنًا قرار نتنياهو إلغاء الضربة على بيروت بعد اتصاله بترامب.
فقد كتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير على منصة "إكس":
"حان الوقت لنقول لصديقنا الرئيس ترامب: لا."
مذكرًا نتنياهو بأنه سبق أن قال إن رئيس الوزراء القوي هو من يستطيع أن يقول "لا" للولايات المتحدة عندما تقتضي مصلحة بلاده ذلك.
أما زعيم المعارضة يائير لابيد، فقد اتهم نتنياهو بالتعامل مع إسرائيل كأنها دولة تابعة للولايات المتحدة، وكتب أن "مسؤولية أمن المواطنين الإسرائيليين تقع حصريًا على عاتق الحكومة الإسرائيلية"، داعيًا إلى "رد قوي".
كما انتقد كل من رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تراجع نتنياهو أمام ضغوط ترامب.
ويشير المقال إلى أن غالبية اليهود الإسرائيليين يؤيدون استمرار العمليات العسكرية ضد حزب الله، وأن نحو ثلثيهم يدعمون إطالة أمد الحرب على إيران بهدف تفكيك برنامجها النووي والصاروخي.
وكان آخر هجوم كبير بالصواريخ والقذائف شنه حزب الله على إسرائيل قد وقع في 2 مارس 2026، عقب ضربات أمريكية وإسرائيلية منسقة ضد إيران.
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان حيز التنفيذ رسميًا في 27 نوفمبر 2024، إلا أن المقال يقول إن إسرائيل لم تلتزم به، مع تسجيل الأمم المتحدة العديد من الانتهاكات، بينما رد حزب الله على الغزو والاحتلال وتدمير جنوب لبنان، الذي أصبح – بحسب وصف الكاتب – يشبه غزة.
أفاد صحفيو وحدة بي بي سي الاستقصائية بوجود أضرار في قواعد عسكرية أمريكية موزعة على ثماني دول في الشرق الأوسط. وباستخدام صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو، أكدت الهيئة أن الهجمات خلفت دمارًا واسعًا.
ويزعم المقال أن الرأي العام الغربي والعربي حُجب عن رؤية صور الهجمات الإيرانية على عشرين موقعًا عسكريًا أمريكيًا بسبب قرار أصدره ترامب بوقف نشر صور الأقمار الصناعية.
ويشير إلى أن شركة Planet الأمريكية، التي تدير أكبر كوكبة من أقمار تصوير الأرض في التاريخ، تلقت في أبريل 2026 طلبًا من إدارة ترامب بحجب الصور عالية الدقة لإيران ومنطقة الصراع في الشرق الأوسط إلى أجل غير مسمى.
ويرى محللون أن الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية كانت أكثر دقة مما وصفه المسؤولون الأمريكيون سابقًا.
وتنتشر هذه القواعد في السعودية والإمارات وقطر والكويت والعراق والأردن والبحرين وسلطنة عمان.
ومن بين المعدات المتضررة ثلاث منظومات متطورة مضادة للصواريخ الباليستية في قاعدتي الرويس والسادر الجويتين بالإمارات، وقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، وتبلغ تكلفة تصنيع كل منها نحو مليار دولار، بينما يحتاج تشغيلها إلى طاقم يقارب مئة جندي، وتبلغ تكلفة كل صاروخ اعتراضي تطلقه نحو 12.7 مليون دولار.
كما استهدفت الهجمات الإيرانية قاعدة علي السالم الجوية ومعسكر عريفجان في الكويت، حيث أكد محللون، اعتمادًا على صور الأقمار الصناعية، تعرضهما لضربات متعددة.
وفي مايو، قدّر البنتاغون التكلفة الإجمالية لعملية "فيوري" بـ29 مليار دولار، إلا أن الديمقراطيين يرون أن هذا الرقم أقل من الواقع.
ويضيف المقال أنه بينما استخدمت الولايات المتحدة أسلحة باهظة الثمن، اعتمدت إيران على طائرات مسيرة منخفضة التكلفة وسهلة التعويض لتنفيذ ضربات دقيقة ضد القواعد الأمريكية.
وفي بداية الحرب استخدمت إيران موجات كثيفة من الصواريخ لإغراق أنظمة الدفاع الجوي، ثم تحولت لاحقًا إلى ضربات أقل عددًا وأكثر دقة ضد أهداف عالية القيمة.
ويختتم المقال بالإشارة إلى أن الجيش الأمريكي فشل في نقل طائراته بعيدًا عن الطائرات الإيرانية المسيرة رغم توفر الوقت لذلك، كما حدث في قاعدة الأمير سلطان الجوية.
كما نقل عن المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، قوله:
"لن تعود دول وأراضي المنطقة دروعًا تحمي القواعد الأمريكية، ولن يكون لأمريكا مكان آمن في المنطقة لممارسة تدخلاتها أو إقامة قواعدها العسكرية، وستبتعد يومًا بعد يوم عن موقعها السابق."
ويحذر محللون عسكريون وخبراء دفاع من أن الولايات المتحدة تعاني من نقص خطير في مخزونها من وسائل الدفاع الجوي، وأن إعادة تصنيعها وتجديدها تستغرق وقتًا طويلًا وتكلفة باهظة.
ويختم الكاتب بالقول إن ترامب يواجه ضغوطًا لإبرام "صفقة العمر" وإنهاء حرب بدأها – بحسب تعبيره – دون مبرر، في وقت يدرك فيه أنه أصبح "على وشك نفاد الذخيرة".
ستيفن صهيوني مختص بالشأن الأمريكي والشرق الأوسط