د. ولاء عابد تكتب: العنف ضد المرأة.. حين تحولت الحماية إلى مشروع دولة
لم يعد العنف ضد المرأة قضية اجتماعية هامشية أو ملفا يقتصر على منظمات المجتمع المدني بل أضحى أحد التحديات التنموية والإنسانية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بأمن المجتمع واستقراره وقدرته على التقدم.
فالمجتمعات التي تعجز عن حماية نصف طاقتها البشرية لا تستطيع أن تحقق تنمية مستدامة أو تبني مستقبلا أكثر عدالة وإنصافا.
وعلى مدار سنوات طويلة واجهت المرأة أشكالا متعددة من العنف والتمييز تراوحت بين العنف الجسدي والنفسي والجنسي مرورا بالتحرش والابتزاز الإلكتروني ووصولا إلى الممارسات المجتمعية الضارة مثل ختان الإناث وزواج القاصرات والحرمان من الحقوق الاقتصادية والميراث وهي ظواهر خلفت آثارا عميقة امتدت لتشمل الأسرة والمجتمع بأكمله.
ومنذ انطلاق الجمهورية الجديدة تبنت الدولة المصرية رؤية مغايرة وجذرية في التعامل مع هذه القضية تقوم على الانتقال من مجرد رد الفعل اللحظي إلى بناء منظومة مؤسسية متكاملة للوقاية والحماية والتمكين فلم تعد المواجهة تعتمد على حملات التوعية وحدها أو العقوبات القانونية بشكل منفصل بل تحولت إلى مشروع وطني شامل يستهدف بناء الإنسان المصري وترسيخ قيم العدالة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية عبر إرادة سياسية واضحة ترجمت في إستراتيجيات قومية كبرى مثل "الإستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف ضد المرأة" و"الإستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030".
وقد تجسد هذا التحول في تطور تشريعي وقانوني بالغ الأهمية خلال السنوات الأخيرة حيث انتقلت الدولة بالتشريعات من مرحلة التجريم التقليدي إلى الردع الحاسم وسد الثغرات فجرى تحويل التحرش الجنسي من جنحة إلى جناية مع تغليظ العقوبات لتصل للسجن بمدد طويلة وغرامات مالية ضخمة خاصة في حالات استغلال السلطة الوظيفية أو الأسرية وترافقت هذه الخطوة مع تشديد عقوبات ختان الإناث لتصل إلى السجن المشدد لتشمل المنشآت الطبية والمروجين والمرافقين على حد سواء فضلا عن إقرار قانون تاريخي يضمن سرية بيانات المجني عليهن لكسر حاجز الخوف والوصم المجتمعي وتشجيعهن على الإبلاغ وكذلك تفعيل قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات لحمايتهن من الابتزاز والتحرش الإلكتروني.
ولم تكن هذه الثورة التشريعية لتعمل بمعزل عن الأدوات التنفيذية على الأرض إذ واكبها تعزيز غير مسبوق لآليات الحماية المؤسسية وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للناجيات من خلال تطوير مراكز استضافة وتوجيه المرأة التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي لتوفير الملاذ الآمن والدعم النفسي والقانوني وإنشاء وحدات مخصصة لمناهضة العنف داخل الجامعات المصرية فضلا عن تدشين "وحدات المرأة الآمنة" بالمستشفيات الجامعية لتقديم الرعاية الطبية الفورية بخصوصية تامة وتفعيل الخط الساخن للمجلس القومي للمرأة لاستقبال الشكاوى ومتابعتها قضائيا بالتكامل مع قطاع حقوق الإنسان بوزارة الداخلية والأقسام المتخصصة بمكافحة العنف ضد المرأة بمديريات الأمن والتي تعتمد على كادرات نسائية مؤهلة للتعامل الإنساني والسريع مع البلاغات.
وإدراكا من الدولة بأن التشريعات وحدها لا تكفي وأن المواجهة الحقيقية تتطلب تجفيف منابع الفكر الذي يبرر العنف أو يتسامح معه شهدت السنوات الماضية إطلاق مبادرات وبرامج توعوية مكثفة لإعادة صياغة الثقافة المجتمعية ونشر قيم الاحترام والمساواة غير أن الرهان الأكبر والأكثر استدامة كان على محور التمكين الاقتصادي والاجتماعي باعتباره السلاح الأقوى لحماية المرأة.
فالمرأة القادرة على العمل والإنتاج واتخاذ القرار تصبح أكثر مناعة في مواجهة الضغوط والانتهاكات والعنف الاقتصادي وهو ما دفع الدولة للتوسع في برامج دعم المرأة ماليا واجتماعيا لاسيما في القرى والمناطق الأكثر احتياجا عبر تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر مثل برنامج "مستورة" وتنمية الأسرة المصرية وتوجيه الجزء الأكبر من الدعم النقدي المشروط في برنامج "تكافل وكرامة" للسيدات لتعزيز استقلاليتهن ومنحهن فرصا أوسع للمشاركة الفاعلة.
إن التجربة المصرية المعاصرة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن مواجهة العنف ضد المرأة لا تتحقق عبر مسار منفرد بل من خلال شبكة متكاملة يشد بعضها بعضا.
فالقانون يردع والمؤسسات تحمي والوعي يغير السلوك والتمكين يمنح القدرة على صناعة المستقبل ليصبح ما تشهده مصر اليوم تحولا حقيقيا ينطلق من الإيمان بأن حماية المرأة ليست مجرد واجب أخلاقي أو التزام قانوني بل هو استثمار وطني في بناء أسرة أقوى ومجتمع أكثر امنا وتماسكا ووطن يخطو بثقة نحو تحقيق التنمية المستدامة.