د. ياسمين جمال تكتب: بين حق التغطية وحرمة الموقف… هل فقد البعض الحس الإنساني في زمن صناعة المحتوى؟
في السنوات الأخيرة، ومع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت أنماط جديدة من التعامل مع الأحداث العامة والمناسبات الإنسانية. فبعد أن كانت بعض اللحظات تُعاش في إطارها الطبيعي، أصبحت تُوثق وتُنشر وتُشارك على نطاق واسع، بحثًا عن التفاعل أو الظهور أو صناعة المحتوى. ومن بين أكثر المشاهد التي تثير الجدل تلك المرتبطة بالجنازات ومراسم العزاء، حين تتحول لحظات الحزن والفقد إلى مادة للتصوير والنشر والتداول.
فالجنازة في جوهرها موقف إنساني يحمل معاني الاحترام والدعاء والمواساة، وهي لحظة يعيش فيها أهل المتوفى وأحباؤه حالة خاصة من الحزن والألم. ولذلك، فإن التعامل مع هذه المواقف يحتاج إلى قدر كبير من الحساسية والوعي المهني والإنساني. إلا أن ما نشهده أحيانًا من حرص بعض الأشخاص على الظهور داخل هذه المناسبات، والتقاط الصور أو مقاطع الفيديو أو توثيق حضورهم بشكل لافت، يطرح تساؤلات مهمة حول الحدود الفاصلة بين التغطية المشروعة واستغلال الموقف.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن إنكار أن الشخصيات العامة والأحداث المرتبطة بها تحظى باهتمام إعلامي مشروع، وأن الجمهور يتابع أخبارها ويهتم بمعرفة تفاصيلها. لكن الفارق كبير بين نقل الخبر باحترام ومهنية، وبين تحويل مشاعر الحزن إلى فرصة للظهور الشخصي أو البحث عن المشاهدات والتفاعل.
كما أن المشكلة لا تتعلق فقط بعملية التصوير نفسها، بل بالرسالة التي يتم إرسالها إلى المجتمع، خاصة إلى الأجيال الأصغر سنًا. فعندما يرى الأطفال والمراهقون أن بعض الأشخاص يسعون إلى توثيق وجودهم في كل مناسبة، حتى في لحظات الفقد والوداع، فقد يختلط لديهم مفهوم التغطية الإعلامية بمفهوم الاستعراض، ومفهوم الحضور الإنساني بمفهوم صناعة المحتوى.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الإعلام المهني في ترسيخ قيم الاحترام والخصوصية. فالإعلام الحقيقي لا يقاس فقط بقدرته على الوصول إلى الحدث، بل بقدرته على تقدير طبيعة الحدث نفسه. وهناك فرق بين صحفي أو إعلامي يؤدي عمله وفق ضوابط مهنية واضحة، وبين ممارسات قد تجعل الإنسان محور الصورة بدلًا من الحدث نفسه.
كذلك، فإن مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في خلق ثقافة جديدة تقوم أحيانًا على فكرة أن كل شيء يجب أن يُصوَّر ويُنشر. ومع الوقت، أصبح بعض الأفراد يشعرون بالحاجة إلى توثيق وجودهم في كل مناسبة، حتى لو كانت مناسبة يغلب عليها الحزن أو الخصوصية. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، لأن الإفراط في التوثيق قد يؤدي إلى تراجع المساحة المخصصة للتعاطف الحقيقي والمشاركة الإنسانية الصادقة.
ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن نغفل أثر ذلك على أسر المتوفين وذويهم، الذين قد يجدون أنفسهم في لحظات ضعف وحزن يتحولون فيها إلى جزء من محتوى متداول دون رغبة منهم. فاحترام مشاعر الآخرين لا يقل أهمية عن حق الجمهور في المعرفة، بل إن المهنية الحقيقية تقوم على تحقيق التوازن بين الأمرين.
كما أن هذه الظاهرة تفتح بابًا أوسع للنقاش حول أخلاقيات الإعلام الرقمي، وحدود استخدام الكاميرا في الفضاء العام. فليس كل ما يمكن تصويره يجب تصويره، وليس كل ما يُصوَّر يجب نشره. فهناك مواقف تفرض احترامها على الجميع، مهما كانت الرغبة في التوثيق أو تحقيق الانتشار.
لذا، فإن المجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات تكنولوجية، بل بكيفية استخدامها لهذه الأدوات. وبين حق التغطية وحرمة الموقف تبقى هناك مساحة لا بد أن يحكمها الضمير المهني والإنساني. فبعض اللحظات خُلقت للدعاء والمواساة والاحترام، لا للكاميرات واللقطات ومؤشرات التفاعل.
فالحضور الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور المنشورة…
بل بمدى احترامنا لمشاعر الآخرين في أصعب لحظاتهم.
دكتور ياسمين جمال
باحثة دكتوراة الاعلام التربوي بجامعة عين شمس