د.محمد عسكر يكتب: الديب فيك.. حين تصبح الحقيقة قابلة للتزييف
في زمنٍ أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على محاكاة الصوت والصورة بدقة مذهلة، لم يعد السؤال المطروح: هل يمكن تزوير الحقيقة؟، بل إلى أي مدى يمكن إقناع الناس بهذا التزوير؟. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت تقنية الديب فيك أو التزييف العميق من مجرد أداة ترفيهية تعتمد على الذكاء الاصطناعي إلى واحدة من أكثر التقنيات إثارة للقلق عالميًا، بعدما باتت قادرة على إنتاج فيديوهات وتسجيلات صوتية يصعب على الإنسان العادي التفرقة بينها وبين الواقع.
الديب فيك يعتمد على تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية، حيث يتم تدريب الخوارزميات على تحليل ملامح الوجه ونبرة الصوت وحركات الجسد، ثم إعادة تركيبها داخل مقاطع مصطنعة تبدو حقيقية تمامًا.
وفي البداية، استُخدمت هذه التقنية في مجالات السينما والمؤثرات البصرية، إلا أن انتشارها الواسع فتح الباب أمام استخدامها في التضليل الإعلامي، والابتزاز الإلكتروني، وتشويه السمعة، بل وحتى التلاعب السياسي.
ولعل أخطر ما في الديب فيك أنه لا يكتفي بتزييف صورة أو مقطع فيديو، بل يضرب فكرة الثقة نفسها. فحين يصبح من الممكن اصطناع خطاب سياسي كامل، أو تسجيل صوتي مزيف لشخصية عامة، أو فيديو مفبرك لشخص عادي، فإن المجتمع يدخل مرحلة يصبح فيها كل شيء قابلاً للشك. وهنا تتحول الأزمة من مجرد مشكلة تقنية إلى أزمة تمس الإعلام والقضاء والسياسة والرأي العام.
وعلى المستوى القانوني، تبدو دول العالم اليوم أمام سباق تشريعي مع التكنولوجيا؛ فالتقنيات تتطور بسرعة أكبر من قدرة القوانين التقليدية على ملاحقتها. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا يوجد حتى الآن قانون فيدرالي شامل يجرّم الديب فيك بشكل مطلق، لكن بعض الولايات مثل كاليفورنيا وتكساس أصدرت قوانين تستهدف استخدامه في الانتخابات أو في توظيف الصور والمقاطع المفبركة للإساءة إلى الحياة الخاصة. أما الاتحاد الأوروبي، فقد اتجه إلى تشريعات أكثر شمولًا تلزم بالإفصاح عن المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي، خاصة إذا كان من الممكن أن يضلل الجمهور أو يؤثر على الرأي العام.
وفي الصين، تبدو المواجهة أكثر صرامة؛ إذ فرضت السلطات على الشركات الرقمية وضع علامات واضحة على أي محتوى مُولد اصطناعيًا، مع تحميل المنصات مسؤولية قانونية عن تداول المواد المزيفة، ويعكس ذلك إدراكًا عالميًا متزايدًا بأن التحدي الحقيقي في المستقبل لن يكون فقط في امتلاك التكنولوجيا، بل في السيطرة على آثارها الاجتماعية والسياسية.
أما في مصر، فلا يزال التعامل القانوني مع الديب فيك يتم من خلال القوانين العامة المرتبطة بجرائم تقنية المعلومات، وعلى رأسها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي يجرّم انتهاك الخصوصية، والتشهير الإلكتروني، وانتحال الهوية، ونشر المحتوى المضلل. ورغم أن القانون لم يذكر الديب فيك بشكل مباشر، فإن كثيرًا من مواده يمكن تطبيقها على الجرائم الناتجة عن التزييف العميق.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود النصوص القانونية، بل في القدرة على إثبات الجريمة تقنيًا، فالديب فيك يعتمد على أدوات متطورة يصعب أحيانًا اكتشافها بالوسائل التقليدية، وهو ما يفرض ضرورة تطوير البنية الرقمية للجهات القضائية والأمنية، وتدريب الكوادر على تحليل الأدلة الإلكترونية وكشف المحتوى المفبرك.
كما أن المواجهة لا ينبغي أن تكون قانونية فقط، لأن التكنولوجيا وحدها لا تصنع الأزمة، بل طريقة استخدامها. ولهذا أصبح الوعي الرقمي عنصرًا أساسيًا في حماية المجتمعات من التضليل الإلكتروني، خاصة مع الانتشار السريع لمواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح تداول المقاطع المفبركة خلال دقائق إلى ملايين المستخدمين.
إن العالم يقف اليوم أمام مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي سلاحًا ذا حدين؛ فهو قادر على خدمة الإنسان وتطوير حياته، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى أداة خطيرة إذا غابت الضوابط الأخلاقية والقانونية. وربما تكون المعركة الحقيقية في السنوات القادمة ليست مع التكنولوجيا ذاتها، بل مع كيفية الحفاظ على الحقيقة داخل عالم يمكن فيه اصطناع كل شيء تقريبًا.
دكتور /محمد عسكر
إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى