د. رشا قلج تكتب: ما الرسالة التي ستصل للشعوب الإفريقية بعد مشاهدة فيلم "أسد"؟
لا يمكن لأي مجتمع يطمح إلى الريادة أن يكبل يد الفن أو يصادر حق المبدع في تقديم رؤيته الخاصة؛ فالحرية هي الأكسجين الذي تتنفسه السينما، لكن، ماذا يحدث عندما تتجاوز هذه الحرية حدود "الخيال الدرامي" لتقدم سردية تاريخية مغلوطة ومبسطة توحي للمشاهد بأنها حقيقة موثقة؟ هنا تحديداً يتحول العمل الفني من أداة للتنوير إلى مصدر للقلق، خاصة عندما يمس هذا العمل صورة مصر وشعبها وعلاقاتها الممتدة مع شعوب قارتنا الإفريقية الشقيقة، وهي علاقات بُنيت بالدم والجهد المشترك عبر عقود.
من هذا المنطلق، تأتي التحفظات الجادة على فيلم "أسد"، والرسائل المبطنة التي يقدمها، إن الاعتراض هنا لا يستهدف الإبداع الفني ذاته، بل يرتبط بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية لصناع العمل، لا سيما حين تكون هذه الأعمال مرشحة للوصول إلى منصات ومهرجانات عالمية، لتعرض أمام جمهور دولي واسع قد لا يملك الأدوات التاريخية لفرز الخيال من الحقيقة.
اختزال معقد وتزييف لسياق التاريخ
يقدم الفيلم صورة توحي بأن المجتمع المصري في القرن التاسع عشر كان قائماً على اضطهاد الأفارقة سود البشرة واستعبادهم على أساس اللون والعرق، هذا الطرح يختزل واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيداً في رواية شديدة التبسيط، ولا يعكس الحقيقة التاريخية بأبعادها المتشابكة.
الحقيقة التاريخية تؤكد: إن العبودية كانت ظاهرة عالمية مظلمة عرفتها معظم الحضارات والمجتمعات عبر التاريخ، ولم تكن يوماً مقتصرة على مصر أو على شعب بعينه.
والأهم من ذلك، أنها في منطقتنا لم تكن قائمة على أساس اللون أو العرق كما كان الحال في نظام الرق عبر الأطلسي في الأمريكتين. فالتاريخ المصري يوثق أن العبيد في تلك الحقبة جاؤوا من أصول وخلفيات إثنية متعددة؛ شملت الشركس، والقوقاز، والجورجيين، والآسيويين، ولم تقتصر بأي حال على الأفارقة وحدهم. بل إن المماليك الذين حكموا مصر لقرون طويلة، كانوا في الأصل عبيداً عسكريين استُقدموا من جنسيات وأعراق مختلفة قبل أن يتدرجوا في السلطة ويصبحوا حكاماً للدولة.
فضلاً عن ذلك، لا يقدم التاريخ المصري أي أدلة موثقة على وجود "ثورة للعبيد السود" ضد المصريين بالصورة التي يروج لها الفيلم. وهنا يبرز تساؤل مشروع: أين تقع الحدود الفاصلة بين الدراما التاريخية والخيال المحض؟ وكيف سمح صناع العمل لأنفسهم بعبور هذه الحدود دون تنويه واضح يحمي الوعي العام؟
صراع متخيل في قارة واحدة
إن محاولة تصوير الأمر كصراع بين "المصريين" من جهة، و"الأفارقة سود البشرة" من جهة أخرى، ينطوي على مغالطة منطقية وتاريخية؛ فالمصريون أنفسهم هم جزء أصيل من القارة الإفريقية.
حتى داخل المجتمعات الإفريقية ذاتها، عرفت العديد من القبائل والممالك أنماطاً مختلفة من العبودية والامتيازات الطبقية قبل الحقبة الاستعمارية وخلالها، وكان المستعبِد والمستعبَد في كثير من الأحيان من نفس العرق ولون البشرة، حيث ارتبطت الظاهرة تاريخياً بالحروب، والأسر، والصراعات السياسية والاقتصادية، لا بالتمييز العنصري الممنهج القائم على لون الجلد.
القوة الناعمة: بناء الجسور أم هدمها؟
في الوقت الذي تستثمر فيه دول كبرى، مثل الصين، قوتها الناعمة لإنتاج أعمال سينمائية ضخمة تبرز قصص التعاون والصداقة والتضامن مع الشعوب الإفريقية لتعزيز شراكاتها في القارة؛ نجد أنفسنا أمام عمل محلي قد يزرع بالخطأ انطباعات سلبية وغير دقيقة عن المجتمع المصري وتاريخه.
تكمن الخطورة الحقيقية في التأثير المحتمل لمثل هذه السرديات على الأجيال الجديدة من الأشقاء الأفارقة الذين قد يشاهدون الفيلم خارج سياقه التاريخي والسياسي، فيتولد لديهم انطباع مغلوط بأن مصر كانت تمارس اضطهاداً عنصرياً ضد بني جلدتهم. هذا التشويه يأتي على حساب تاريخ طويل ومشرف؛ فمصر كانت وما زالت الداعم الأول لحركات التحرر الوطني الإفريقي ضد الاستعمار، وما زالت حتى اليوم شريكاً رئيسياً في ملفات التنمية، والصحة، والتعليم، وتمكين المرأة في كافة أنحاء القارة.
خيارات درامية بديلة لإنقاذ الرسالة
كان من الأجدر بصناع الفيلم، إذا كان الهدف الحقيقي هو تقديم قصة رمزية وإنسانية عن قيم الحرية والرفض للظلم، الإبحار في أحد طريقين:
تجسيد التنوع الحقيقي: من خلال تضمين شخصيات من خلفيات وأعراق متعددة (شركسية، وآسيوية، وإفريقية) تعكس الواقع التاريخي الفعلي لتلك الحقبة.
صناعة الفانتازيا التاريخية: تقديم العمل كقصة خيالية مستوحاة من أحداث عامة دون ربطها بزمان محدد أو ببلد ومجتمع بعينه.
ولمعالجة هذا اللبس القائم، نرى أنه من الضروري والملحّ أن يتضمن الفيلم تنوهاً صوتياً ومكتوباً في مقدمته ونهايته – بصوت بطل العمل نفسه – يؤكد بشكل قاطع أن القصة من وحي الخيال ولا تمثل توثيقاً لواقع مجتمعي أو تاريخي محدد. كما يجب أن يركز هذا التنويه على عمق العلاقات الأخوية بين مصر وأشقائها الأفارقة، ودورها التاريخي في مساندتهم للتحرر من الاستعمار.
إن الفن يظل أداة عظيمة ونبيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية، وهو قادر على فعل ذلك ببراعة دون الحاجة لتزييف الحقائق أو خلق انطباعات سلبية تؤثر على الأمن القومي والقوة الناعمة للدولة. نحن اليوم بحاجة ماسة إلى حوار جاد ومسؤول حول حدود حرية الإبداع عندما تتشابك مع تشكيل صورة الشعوب أمام العالم، خاصة في قضايا تمس الهوية الوطنية، والذاكرة التاريخية، والعلاقات الاستراتيجية لمصر داخل قارتها السمراء.
عضو مجلس الشيوخ المصري السابق والرئيس التنفيذي لمؤسسة ميرك الدولية