رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

دار الإفتاء توضح الحكم الشرعي لسعي الحائض بعد الطواف

دار الإفتاء المصرية
دار الإفتاء المصرية

حسمت دار الإفتاء المصرية الجدل المتكرر حول حكم سعي المرأة بين الصفا والمروة إذا فاجأها الحيض بعد الانتهاء من الطواف، مؤكدة أن الطهارة ليست شرطًا لصحة السعي، وأن المرأة إذا حاضت بعد الطواف ثم أكملت السعي، فإن عمرتها صحيحة شرعًا ولا يلزمها شيء.

وجاء ذلك ردًا على سؤال ورد إلى دار الإفتاء من سيدة ذهبت لأداء العمرة، وبعد انتهائها من الطواف وصلاة ركعتي سنة الطواف، وقبل البدء في السعي، فوجئت بنزول الحيض، ولم تتمكن من انتظار الطهر بسبب موعد السفر المحدد، فتساءلت عن حكم عمرتها وهل يجب عليها إعادة السعي أو دفع فدية.

وأكدت دار الإفتاء أن السعي الذي قامت به المرأة صحيح شرعًا، وأنه لا حرج عليها مطلقًا، ولا تُطالب بإعادة النسك أو إخراج كفارة أو ذبح فدية، موضحة أن الطهارة أثناء السعي من الأمور المستحبة وليست شرطًا لصحة العبادة.

السعي من شعائر الله

وأوضحت دار الإفتاء أن السعي بين الصفا والمروة من الشعائر العظيمة التي شرعها الله تعالى للحجاج والمعتمرين، مستشهدة بقول الله سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158].

وبيّنت أن جمهور الفقهاء اتفقوا على أن الطهارة ليست ركنًا من أركان السعي، ولا شرطًا من شروط صحته، وإنما هي من السنن المستحبة التي يُستحب للمسلم المحافظة عليها إن استطاع.

وأضافت أن السعي يصح من المحدث والحائض والجنب، طالما أن الطواف قد تم بصورة صحيحة، ولذلك فإن المرأة التي ينزل عليها الحيض بعد الطواف يحق لها أن تُكمل سعيها دون قلق أو اضطراب.

الفرق بين الطواف والسعي

وفي شرحها للحكم الشرعي، أكدت دار الإفتاء أن هناك فرقًا واضحًا بين الطواف والسعي فيما يتعلق بالطهارة.

فبينما يرى جمهور الفقهاء أن الطهارة شرط أساسي لصحة الطواف حول الكعبة المشرفة، فإن السعي بين الصفا والمروة لا يُشترط له الوضوء أو الطهارة الكاملة.

ولذلك، إذا داهم الحيض المرأة بعد انتهاء الطواف مباشرة، فإنها تستطيع استكمال مناسك عمرتها بالسعي دون أن يؤثر ذلك على صحة النسك.

وشددت دار الإفتاء على أن الشريعة الإسلامية قائمة على التيسير ورفع الحرج عن الناس، خاصة في الظروف التي ترتبط بمواعيد السفر أو الرفقة أو عدم القدرة على البقاء في مكة حتى انتهاء فترة الحيض.

لا إعادة للسعي ولا فدية ولا كفارة

وأكدت دار الإفتاء المصرية بصورة قاطعة أن المرأة في هذه الحالة لا تتحمل أي إثم شرعي، ولا تُطالب بإعادة السعي بعد الطهر، كما لا يلزمها ذبح شاة أو إخراج فدية أو أي نوع من أنواع الكفارات.

وأشارت إلى أن هذا الحكم مدعوم بأقوال كبار علماء المذاهب الفقهية المختلفة، وهو ما يعكس اتفاقًا فقهيًا واسعًا على صحة سعي الحائض بعد الطواف.

واستشهدت دار الإفتاء بعدد من النصوص الفقهية التي تؤكد هذا الحكم، حيث نقلت عن الإمام ابن نُجيم الحنفي في كتابه «البحر الرائق» قوله إن الطهارة من سنن السعي وليست من شروطه، وأن سعي الحائض والجنب صحيح.

كما ذكرت ما قاله الإمام النووي الشافعي في كتابه «المجموع»، حيث أكد: «مذهبنا ومذهب الجمهور: أن السعي يصح من المحدث والجنب والحائض».

وأشارت كذلك إلى ما ذكره الإمام الخرقي الحنبلي بقوله: «ومن سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة، كرهنا له ذلك، وقد أجزأه».

وتُظهر هذه الأقوال الفقهية مدى اتفاق العلماء على التيسير في هذه المسألة، وعدم تحميل المرأة ما لا تطيق بسبب أمر جبلي كتبه الله على النساء.

ماذا تفعل المرأة إذا فاجأها الحيض ؟

وفي سياق متصل، أوضح الدكتور مجدي عاشور، المستشار العلمي للمفتي السابق، أن الحيض أو النفاس لا يؤثران على إحرام المرأة أثناء الحج أو العمرة، فالمرأة تبقى محرمة وتلتزم بأحكام الإحرام المعتادة.

وأضاف أن المرأة إذا أصابها الحيض أثناء العمرة فعليها أن تتجنب الطواف بالبيت حتى تطهر، لكنها تستمر في باقي ما يجوز لها من أعمال الذكر والدعاء.

وأشار إلى حديث السيدة عائشة رضي الله عنها حين قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «افعلي ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت».

وبيّن أن المرأة الحائض لا تصلي، كما أنها تتجنب قراءة القرآن على خلاف بين الفقهاء، لكنها تستطيع الإكثار من الذكر والدعاء والتلبية والاستغفار.

وأوضح الدكتور مجدي عاشور أن بعض المذاهب الفقهية أجازت للمرأة التي يداهمها الحيض قرب انتهاء رحلة العمرة أو الحج أن تتحفظ جيدًا وتطوف إذا اضطرت لذلك بسبب موعد السفر وعدم القدرة على الانتظار.

وأضاف أن بعض الفقهاء أوجبوا في هذه الحالة ذبح شاة، بينما رأى آخرون أنه لا شيء عليها لأنها معذورة شرعًا.

هل يجوز تناول أدوية لتأخير الحيض

من جانبه، قال الشيخ عبد الله العجمي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن المرأة يجوز لها شرعًا تناول العقاقير أو الأدوية التي تؤخر نزول الدورة الشهرية حتى تتمكن من أداء العمرة أو الحج دون تعطيل.

لكنه شدد على أن ذلك مشروط بعدم وجود ضرر طبي عليها، لأن الشريعة نهت عن الإضرار بالنفس.

وأضاف أنه إذا لم تتناول المرأة تلك الأدوية وجاءها الحيض قبل الطواف، فعليها الانتظار حتى تطهر إن كان الوقت يسمح بذلك، أما إذا ضاق الوقت واقترب موعد العودة، فيمكنها الاغتسال والتحفظ جيدًا ثم الطواف واستكمال مناسكها.

وفي السياق نفسه، أكدت لجنة الفتوى بـ مجمع البحوث الإسلامية أن الحيض أمر فطري كتبه الله على النساء، مستشهدة بحديث السيدة عائشة رضي الله عنها عندما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم».

وأوضحت اللجنة أنه لا مانع شرعًا من استخدام أدوية منع الحيض بغرض أداء الحج أو العمرة، بشرط التأكد من عدم وجود ضرر صحي.

وأكدت اللجنة أنه إذا فاجأ الحيض المرأة قبل الطواف فعليها الانتظار حتى الطهر ثم تؤدي الطواف والسعي والتقصير، أما إذا جاء الحيض بعد الطواف فإنها تُكمل عمرتها بشكل طبيعي ولا شيء عليها.

كما أشارت إلى أنه إذا كانت المرأة مرتبطة بموعد سفر محدد ولن تتمكن من الانتظار حتى الطهر، فلها أن تتحفظ وتطوف للضرورة، وهو ما أفتى به عدد من العلماء المعاصرين.

وتطرقت لجنة الفتوى كذلك إلى حكم شراء السلع والتجارة أثناء العمرة، مؤكدة أنه لا حرج شرعًا في ذلك، طالما أن الأصل في السفر هو أداء النسك وليس الانشغال بالتجارة وحدها.

واستشهدت اللجنة بقول الله تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198].

وأوضحت أن عددًا كبيرًا من السلف والعلماء أكدوا أن هذه الآية نزلت في إباحة التجارة والبيع والشراء خلال موسم الحج، بما يعكس سماحة الشريعة الإسلامية ومرونتها في التوفيق بين العبادة ومتطلبات الحياة.

اقرأ أيضاً.. دار الإفتاء توضح حكم شراء الأضحية بالتقسيط وتحذر من الديون دون قدرة على السداد

تم نسخ الرابط