رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

هل يبطل الحج أو العمرة بترك السعي؟.. الإفتاء تكشف الحكم الشرعي

الكعبة المشرفة
الكعبة المشرفة

مع اقتراب مواسم الحج والعمرة وحرص ملايين المسلمين على أداء المناسك بصورة صحيحة، تتزايد الأسئلة المتعلقة بالأخطاء التي قد يقع فيها الحاج أو المعتمر أثناء أداء الشعائر، خاصة ما يتعلق بالسعي بين الصفا والمروة، باعتباره من أبرز مناسك الحج والعمرة وأكثرها ارتباطًا بصحة النسك.

وفي هذا السياق، أوضحت دار الإفتاء المصرية الحكم الشرعي لمن ترك السعي في الحج أو العمرة، سواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، كاشفةً عن تفاصيل دقيقة تتعلق بمدى صحة النسك، وما إذا كان ترك السعي يؤدي إلى بطلان الحج أو العمرة، أم يمكن جبره بالفدية أو الذبح، وذلك في ضوء آراء المذاهب الفقهية المختلفة.

وأكدت دار الإفتاء أن السعي بين الصفا والمروة من الشعائر التعبدية العظيمة التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحج والعمرة، مشيرة إلى أن الفقهاء أفاضوا في الحديث عن أحكامه بسبب ما يترتب عليه من آثار تتعلق بصحة العبادة وإتمامها.

وأوضحت دار الإفتاء، أن السعي هو المشي بين جبلي الصفا والمروة سبعة أشواط بعد الطواف، سواء كان ذلك في الحج أو العمرة، وهو من المناسك التي شرعها الله سبحانه وتعالى تخليدًا لقصة السيدة هاجر عليها السلام، عندما كانت تبحث عن الماء لولدها إسماعيل عليه السلام في صحراء مكة.

واستشهدت بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.

وأكدت أن السعي ليس مجرد انتقال جسدي بين موضعين، بل عبادة عظيمة تحمل معاني الصبر والتوكل واليقين بالله، وتُذكّر المسلم بقيمة السعي والأخذ بالأسباب مع الاعتماد الكامل على الله سبحانه وتعالى.

وأشارت دار الإفتاء إلى أن العلماء اختلفوا في التكييف الفقهي للسعي بين الصفا والمروة، وهل يُعد ركنًا من أركان الحج والعمرة لا يصح النسك بدونه، أم واجبًا يمكن جبره بدم أو فدية عند تركه.

وبيّنت أن هذا الخلاف الفقهي ترتب عليه أحكام مختلفة تتعلق بمن ترك السعي كاملًا أو ترك بعض أشواطه، سواء كان ذلك عمدًا أو نسيانًا أو لعذر قهري.

وأوضحت دار الإفتاء أن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية، ورواية عند الحنابلة، ذهبوا إلى أن السعي ركن أساسي من أركان الحج والعمرة، ولا يصح النسك إلا بالإتيان به كاملًا.

وبناءً على هذا الرأي، فإن من ترك السعي كله أو ترك جزءًا منه، فعليه العودة إلى مكة لأداء السعي حتى يكتمل نسكه، حتى لو كان تركه بسبب الجهل أو النسيان أو وجود عذر.

وأكد العلماء أن الأركان لا تُجبر بالفدية أو الذبح، لأن الركن جزء أصيل من العبادة نفسها، ولا يمكن أن تكتمل العبادة بدونه.

ولهذا يرى جمهور الفقهاء أن من غادر مكة دون أداء السعي، فإن نسكه يظل غير مكتمل حتى يعود ويأتي بالسعي.

وفي المقابل، أوضحت دار الإفتاء أن فقهاء الحنفية يرون أن السعي واجب وليس ركنًا، معتبرين أن النصوص الواردة فيه تدل على الوجوب لا على الركنية.

وبحسب هذا الرأي، فإن من ترك السعي كاملًا أو ترك معظم أشواطه من غير عذر، فعليه ذبح شاة جبرًا لما تركه من الواجبات.

أما إذا ترك ثلاثة أشواط أو أقل، فعليه عن كل شوط نصف صاع من القمح أو ما يعادله من الطعام.

وأشار فقهاء الحنفية إلى أن من ترك السعي لعذر خارج عن إرادته، مثل الحيض أو النفاس أو المرض الشديد، فلا إثم عليه ولا فدية تلزمه.

وأكدت دار الإفتاء أن الأعذار التي تحدث عنها الفقهاء هي الأعذار الخارجة عن إرادة الإنسان، مثل الظروف الصحية الطارئة أو الحيض والنفاس بالنسبة للنساء أو أي مانع قهري يحول دون استكمال السعي.

لكن جمهور العلماء يرون أن وجود العذر لا يسقط السعي نفسه، وإنما يؤخر أداءه فقط، ولذلك يجب على الحاج أو المعتمر العودة لأداء السعي متى استطاع إلى ذلك سبيلًا.

أما الحنفية فقد أخذوا بمبدأ التيسير في بعض الحالات، ورأوا أن من تعذر عليه السعي لعذر حقيقي فلا حرج عليه ولا فدية.

وأشارت دار الإفتاء إلى أن بعض العلماء في المذاهب الأخرى نقلوا آراء قريبة من مذهب الحنفية مراعاةً لظروف الناس والمشقة التي قد تواجه بعض الحجاج والمعتمرين.

فقد وردت رواية عن الإمام مالك فيمن ترك السعي وعاد إلى بلده، تقضي بجبر ذلك بذبح شاة مراعاة للخلاف ورفعًا للحرج.

كما رجّح الشيخ ابن قدامة من الحنابلة هذا الاتجاه في بعض الحالات التي يتعذر فيها الرجوع إلى مكة أو يشق ذلك على الإنسان مشقة كبيرة.

وأكدت دار الإفتاء أن من القواعد الشرعية المهمة في مثل هذه المسائل قاعدة:
“من ابتُلي بالمختلف فيه فله تقليد من أجاز”، وهي قاعدة تهدف إلى التيسير على الناس ورفع المشقة عنهم في المسائل التي وقع فيها خلاف معتبر بين العلماء.

وشددت دار الإفتاء المصرية على أهمية تعلّم أحكام الحج والعمرة قبل أداء المناسك، حتى لا يقع الحاج أو المعتمر في أخطاء قد تؤثر على صحة عبادته.

وأكدت أن معرفة الأحكام الشرعية الخاصة بالطواف والسعي والإحرام وسائر المناسك أصبحت ضرورة مهمة، خاصة مع الزحام الشديد وكثرة الحالات التي قد يقع فيها النسيان أو الالتباس.

تم نسخ الرابط