د. ياسمين جمال تكتب: بين “نظام الطيبات” والوعي الغذائي… كيف يشكّل الإعلام عادات أطفالنا والمراهقين؟
مع رحيل د. ضياء العوضي، عاد الحديث من جديد حول الأفكار التي قدّمها، وفي مقدمتها ما عُرف بـ“نظام الطيبات”، الذي لم يكن مجرد نظام غذائي بالمعنى التقليدي، بل رؤية تقوم على البساطة، والاعتدال، والابتعاد عن التعقيد والحرمان. هذه الرؤية، رغم توجيهها الظاهري للكبار، تفتح بابًا مهمًا للتأمل في كيفية تشكيل الوعي الغذائي لدى الأطفال والمراهقين، خاصة في ظل التأثير المتزايد للإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
فاليوم، لم يعد تكوين العادات الغذائية حكرًا على الأسرة، بل أصبح الإعلام شريكًا أساسيًا في هذه العملية. فالأطفال والمراهقون يتعرضون بشكل يومي لمحتوى يتحدث عن “الأكل الصحي”، والأنظمة الغذائية، وصورة الجسد المثالية، سواء من خلال الفيديوهات القصيرة، أو المؤثرين، أو البرامج المختلفة. ومع هذا التدفق المستمر، تتشكل لديهم تصورات قد تكون جزئية أو غير مكتملة، بل وأحيانًا متناقضة.
ومن هنا، تبرز أهمية التوقف عند فلسفة “نظام الطيبات”، ليس باعتبارها نموذجًا يُطبّق حرفيًا، بل كنقطة انطلاق لفهم أعمق للعلاقة مع الطعام. فالفكرة الأساسية التي يطرحها هذا النظام — وهي الاعتدال — تمثل قيمة تربوية قبل أن تكون توجيهًا غذائيًا. وهي قيمة يحتاجها الأطفال والمراهقون في وقت تتسم فيه الرسائل الإعلامية بالتطرف، بين الإفراط والمنع، وبين المبالغة في المثالية أو التساهل المفرط.
ومن ناحية أخرى، فإن المراهق تحديدًا يعيش مرحلة حساسة تتشكل فيها نظرته لذاته، ولجسده، ولمكانته بين الآخرين. وفي هذه المرحلة، قد يتأثر بشكل كبير بالمحتوى الذي يربط بين الشكل الخارجي والقيمة الشخصية، أو يقدّم نماذج غير واقعية للجمال واللياقة. وهنا، قد يتحول الاهتمام بالغذاء من سلوك صحي إلى مصدر ضغط نفسي، خاصة إذا غاب التوازن في الرسالة الإعلامية.
كما أن الأطفال، رغم بساطة إدراكهم، ليسوا بمنأى عن هذا التأثير. فالتكرار المستمر لرسائل معينة — حتى لو كانت غير مباشرة — قد يرسّخ لديهم مفاهيم مبكرة عن “الأكل الصح” و“الأكل الغلط”، دون فهم حقيقي لمعنى التوازن أو الاحتياج الفردي. وهو ما قد ينعكس لاحقًا على علاقتهم بالطعام، سواء في صورة إفراط أو شعور بالذنب.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الإعلام في تضخيم بعض النماذج أو تبسيطها بشكل مخل. فحين يتم تقديم أي نظام غذائي — مهما كانت فلسفته — في صورة “حل نهائي” أو “أسلوب حياة مثالي”، قد يُفهم بشكل خاطئ، خاصة لدى الفئات الأصغر سنًا، بينما يظل الفهم الصحيح قائمًا على التدرج، والمرونة، ومراعاة الفروق الفردية.
ومن جهة أخرى، يمكن للإعلام أن يلعب دورًا إيجابيًا إذا تبنّى خطابًا أكثر توازنًا. فبدلًا من التركيز على النتائج السريعة أو الصور المثالية، يمكن تقديم نماذج واقعية، تعكس التنوع، وتؤكد أن الصحة ليست شكلًا واحدًا، بل حالة من التوازن الجسدي والنفسي. كما أن إبراز قيمة الاعتدال — التي كانت جوهر نظام الطيبات — يمكن أن يسهم في بناء وعي أكثر نضجًا لدى المتلقين.
وهنا، يأتي دور الأسرة كحلقة وصل بين ما يُعرض في الإعلام وما يُطبّق في الواقع. فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى قواعد غذائية، بل إلى تفسير يساعدهم على فهم ما يشاهدونه. فعندما يسأل الطفل عن نظام معين، أو يحاول المراهق تقليد ما يراه، يصبح الحوار الهادئ هو الأداة الأهم، التي تضع الأمور في سياقها الصحيح، وتمنع التبني العشوائي للأفكار.
كما أن تقديم نموذج عملي داخل البيت يظل من أقوى وسائل التأثير. فحين يرى الطفل أن الطعام ليس مصدر قلق أو صراع، بل جزء طبيعي من الحياة، وأن الاعتدال هو الأساس، فإنه يكتسب هذه القيم بشكل غير مباشر، دون الحاجة إلى توجيه مباشر أو ضغط.
ومن زاوية أوسع، يمكن النظر إلى “نظام الطيبات” كدعوة لإعادة التوازن، ليس فقط في الغذاء، بل في طريقة تلقي الرسائل بشكل عام. فكما يحتاج الطفل والمراهق إلى التوازن في ما يأكل، يحتاج أيضًا إلى التوازن في ما يشاهد ويتأثر به. والإعلام، في هذا الإطار، يصبح مسؤولًا عن تقديم محتوى يراعي هذا التوازن، بدلًا من دفع المتلقي إلى أحد الطرفين.
لذا، فإن رحيل د. ضياء العوضي لا يعني غياب الأفكار التي طرحها، بل ربما يفتح مساحة لإعادة قراءتها بشكل أعمق. فالأفكار البسيطة التي تقوم على الاعتدال والوعي تظل أكثر قابلية للاستمرار، خاصة إذا تم توظيفها تربويًا وإعلاميًا بشكل صحيح.
فأبناؤنا لا يحتاجون إلى أنظمة معقدة…
بل إلى وعي بسيط ومتزن…
وإلى إعلام يوجّه، لا يضغط…
وإلى أسرة تفسّر، لا تفرض.
الكاتبة.. باحثة دكتوراه الإعلام التربوي بجامعة عين شمس