عصر "البشعة" يلفظ أنفاسه الأخيرة.. بعد تحريمها هل ينتصر الوعي على خرافة "لسان الكاذب"؟
في ظل تكرار الجدل المجتمعي حول بعض الممارسات الشعبية القديمة التي تُستخدم أحيانًا في القرى والمناطق الريفية بدعوى كشف الحقيقة أو تحديد مرتكبي الجرائم، حسمت دار الإفتاء المصرية الجدل حول ما يُعرف بـ«البِشْعَة»، مؤكدةً بشكل قاطع أنها ممارسة محرّمة شرعًا، ولا يجوز استخدامها بأي حال من الأحوال في إثبات التهم أو نفيها أو الوصول إلى فاعل الجريمة.
وجاء هذا التوضيح ردًا على سؤال متكرر حول حكم اللجوء إلى هذه الطريقة في فض النزاعات وكشف المتهمين، حيث شدد مفتي الجمهورية الدكتور نظير محمد عياد على أن هذه الممارسة لا تمتّ بصلة إلى الشريعة الإسلامية، ولا يمكن اعتبارها وسيلة إثبات معتبرة في أي حال من الأحوال.
تحريم قاطع.. البشعة لا أصل لها في الشريعة
أكد مفتي الجمهورية أن التعامل بما يُعرف بـ«البشعة» في إثبات التهم أو معرفة الجاني يُعد محرمًا شرعًا تحريمًا واضحًا لا لبس فيه، موضحًا أنها تُصنَّف ضمن ممارسات الكهانة والعرافة التي نهى عنها الإسلام بشكل صريح.
وأشار إلى أن هذه الطريقة لا تستند إلى أي أصل شرعي معتبر، ولا يمكن إدراجها ضمن وسائل الإثبات التي اعتمدها الفقه الإسلامي، بل إنها تُعد انحرافًا عن المنهج الشرعي الصحيح في الوصول إلى الحقيقة.
وأضاف، أن خطورة هذه الممارسة لا تقف عند حدود البطلان الشرعي فقط، بل تمتد إلى كونها تتضمن أشكالًا من الإيذاء والتعذيب الجسدي أو النفسي، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ النفس الإنسانية وصون كرامتها.
وفي سياق توضيحه للمنهج الشرعي الصحيح في إثبات الحقوق أو نفي التهم، شدد المفتي على أن الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط دقيقة وواضحة للإثبات القضائي، لا يجوز تجاوزها أو استبدالها بوسائل غير علمية أو غير شرعية.
وأوضح، أن وسائل الإثبات في الإسلام تتمثل في الإقرار، أو البينات، أو الأيمان، أو غيرها من الأدلة المعتبرة التي نصت عليها السنة النبوية الشريفة، مشيرًا إلى أن الحكم القضائي في الإسلام لا يُبنى على الظن أو الوسائل الغيبية أو الممارسات غير العلمية.
تحذير من الفوضى القضائية وضياع الحقوق
وشدد مفتي الجمهورية على أن ترك الناس يعتمدون على مثل هذه الممارسات في إثبات التهم يؤدي إلى خلل كبير في ميزان العدالة، ويفتح الباب أمام ضياع الحقوق وانتشار الفوضى، مشيرًا إلى أن الشريعة الإسلامية حذرت من هذا المسار منذ بدايات التشريع.
واستشهد بما ذكره العلماء في شرح هذا المعنى، ومنهم القاضي عياض الذي أكد أن اعتماد الادعاءات دون بينة يؤدي إلى استباحة الدماء والأموال، وهو ما لا يمكن أن يقوم عليه نظام قضائي عادل.
ويبرز هذا الطرح خطورة الاعتماد على وسائل غير منضبطة في الحكم على الناس، حيث تتحول العدالة إلى أداة للظلم بدلًا من أن تكون وسيلة لإنصاف المظلومين.
البشعة بين الخرافة والتعذيب
وفي تفصيل أوسع لطبيعة هذه الممارسة، أوضح المفتي أن «البشعة» تُعد شكلًا من أشكال العرافة والكهانة، حيث يقوم ممارسها بمحاولة كشف صدق أو كذب المتهم عبر وسيلة لا علاقة لها بالعلم أو الشرع أو العقل.
وأشار إلى أن من يقوم بهذا الفعل يضع نفسه في موضع من يدّعي الاطلاع على الغيب، وهو ما يعد ادعاءً باطلًا يتعارض مع العقيدة الإسلامية التي تؤكد أن علم الغيب لله وحده.
كما لفت إلى أن هذه الممارسة لا تخلو من صور الإيذاء الجسدي والنفسي، سواء للمتهم أو لمن يُخضع لها، وهو ما يدخل في نطاق المحرمات الشرعية التي نهى عنها الإسلام بشكل قاطع.
وأكد مفتي الجمهورية أن الشريعة الإسلامية أولت عناية كبرى بحماية النفس البشرية، ووضعت قواعد صارمة تمنع أي اعتداء عليها أو تعريضها للأذى، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
كما استدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، في تأكيد واضح على أن كل ما يسبب ضررًا للإنسان فهو مرفوض شرعًا، سواء كان ماديًا أو معنويًا.
وأشار إلى أن أي وسيلة تتضمن تعذيبًا أو إيذاءً أو انتهاكًا لكرامة الإنسان تُعد مخالفة صريحة لمقاصد الشريعة، حتى لو كان الهدف منها الوصول إلى الحقيقة.