د. حنان نجيب تكتب: العملات الرقمية للبنوك المركزية.. نحو نقود قابلة للبرمجة وسيادة نقدية جديدة
لم تعد النقود في عالم اليوم مجرد وسيلة للتبادل أو مخزنًا للقيمة، بل تحولت إلى أداة سيادية تعكس قدرة الدولة على إدارة اقتصادها والتفاعل مع الأزمات. وفي خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام المالي العالمي، تبرز العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC) كأحد أهم ملامح إعادة تشكيل النظام النقدي، ليس فقط كابتكار تقني، بل كخيار استراتيجي يرتبط بمفهوم السيادة الاقتصادية في عصر الرقمنة.
تُعد هذه العملات شكلًا رقميًا من العملة الرسمية التي يصدرها البنك المركزي، وتمثل التزامًا مباشرًا عليه، شأنها شأن النقود الورقية، إلا أنها تُتداول عبر بنية رقمية متطورة تتيح مستويات أعلى من الكفاءة والمرونة. ولا يمثل هذا التحول مجرد تحديث لوسائل الدفع، بل يعكس إعادة تعريف لدور النقود داخل الاقتصاد، بحيث تصبح أكثر ارتباطًا بآليات صنع القرار الاقتصادي.
وعلى عكس العملات المشفرة مثل Bitcoin، التي نشأت خارج الأطر التنظيمية، تخضع العملات الرقمية للبنوك المركزية لإشراف الدولة، وتستند إلى ثقة مؤسسية مدعومة بالقانون والسياسة النقدية، ما يمنحها استقرارًا أكبر ويجعلها أداة قابلة للتوظيف في إدارة الاقتصاد الكلي، خاصة في أوقات الاضطراب.
ويتسارع التوجه العالمي نحو تبني هذه العملات مدفوعًا بتغيرات هيكلية في أنماط الدفع والتعاملات المالية. فمن جهة، يتراجع الاعتماد على النقد التقليدي بوتيرة متسارعة، في مقابل توسع المدفوعات الرقمية ومنصات التكنولوجيا المالية. ومن جهة أخرى، تسعى البنوك المركزية إلى الحفاظ على دورها المحوري في النظام المالي، في ظل تنامي تأثير الشركات التكنولوجية العالمية على منظومات الدفع.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذه العملات في قدرتها على رفع كفاءة النظام المالي، من خلال تسريع المعاملات، وتقليل الاعتماد على الوسطاء، وخفض التكاليف، بما يعزز الشفافية ويحد من الاقتصاد غير الرسمي. كما تفتح المجال أمام توسيع نطاق الشمول المالي، عبر إتاحة خدمات مالية رقمية للفئات غير المتعاملة مع البنوك، خاصة من خلال الهواتف المحمولة.
غير أن التطور الأهم الذي يمنح هذه العملات بعدًا استراتيجيًا غير مسبوق، يتمثل في إمكانية تصميمها كنقود “قابلة للبرمجة”، بحيث لا تقتصر على كونها وسيلة دفع، بل تتحول إلى أداة تنفيذ مباشر للسياسات الاقتصادية. فبإمكان الحكومات، من خلال هذه الخاصية، توجيه الدعم النقدي لاستخدامات محددة، أو ربطه بفترات زمنية معينة، بما يعزز كفاءة الإنفاق العام ويحد من الهدر، ويضمن وصول الموارد إلى مستحقيها بدقة أعلى.
وفي أوقات الأزمات، تتضاعف أهمية هذه القدرات، حيث تتيح هذه العملات توصيل الدعم بشكل فوري ومباشر، وتنفيذ السياسات النقدية والمالية بسرعة ومرونة، وهو ما يعزز قدرة الدولة على احتواء الصدمات الاقتصادية وتقليل آثارها على المواطنين.
وعلى مستوى التطبيق، تقدم التجارب الدولية نماذج متباينة تعكس اختلاف الأولويات. فقد قطع البنك المركزي الصيني شوطًا متقدمًا في إطلاق اليوان الرقمي واستخدامه في المعاملات اليومية وبرامج الدعم، بينما يتبنى البنك المركزي الأوروبي نهجًا أكثر توازنًا يركز على حماية الخصوصية. أما مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فيواصل دراسة الجدوى في ظل تعقيدات السوق الأمريكية.
ورغم هذه المزايا، تظل هناك تحديات جوهرية، في مقدمتها قضايا الخصوصية، حيث تثير القدرة على تتبع المعاملات مخاوف لدى المستخدمين، إلى جانب المخاطر السيبرانية المرتبطة بالبنية الرقمية. كما يثير انتشار هذه العملات تساؤلات حول مستقبل البنوك التجارية، في ظل احتمالات تراجع دورها التقليدي في الوساطة المالية نتيجة تحول جزء من الودائع نحو البنك المركزي.
وفي السياق المصري، تبرز أهمية تبني رؤية متكاملة تأخذ في الاعتبار خصوصية البنية الاقتصادية والاجتماعية. فقد شهدت مصر تقدمًا ملحوظًا في مجال المدفوعات الرقمية، مدعومًا بجهود البنك المركزي المصري في تعزيز الشمول المالي. إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تطوير نموذج وطني قادر على تحقيق التوازن بين الابتكار والاستقرار.
ومن هنا، تكتسب أهمية خاصة فكرة تطوير منظومات دفع رقمية قادرة على العمل دون اتصال دائم بالإنترنت، بما يضمن استمرارية الخدمات في مختلف المناطق، خاصة في البيئات الأقل اتصالًا، ويعزز من فرص التطبيق العملي على نطاق واسع.
وفي حال تبني نموذج مصري متكامل، يمكن تصور منظومة يتم من خلالها توصيل الدعم النقدي مباشرة إلى المواطنين عبر محافظ رقمية، وتنفيذ المعاملات الحكومية بشكل لحظي، بما يعزز الكفاءة والشفافية، ويقلل الاعتماد على النقد التقليدي.
وفي إطار أوسع، يمكن النظر إلى العملات الرقمية للبنوك المركزية كأحد مؤشرات “السيادة الرقمية”، حيث تعكس قدرة الدولة على التحكم في بنيتها النقدية في مواجهة التحديات الخارجية، سواء كانت تقلبات اقتصادية أو هيمنة أنظمة دفع دولية.
في النهاية، لا تمثل هذه العملات مجرد تطور في شكل النقود، بل تعكس تحولًا عميقًا في فلسفة إدارة الاقتصاد. وفي عالم تتسارع فيه الأزمات والتغيرات التكنولوجية، يصبح التحكم في شكل النقود وتدفقها أحد أهم أدوات القوة الاقتصادية. ومن ثم، فإن تبني هذه العملات لم يعد خيارًا تقنيًا، بل قرارًا سياديًا يحدد موقع الدول في النظام المالي العالمي الجديد .