د. حنان نجيب تكتب: من أزمة الغلق إلى فرصة نمو عالمي لمصر
تتصاعد الأزمات الاقتصادية عالميًا، وترتفع تكلفة الطاقة وتتغير خريطة سلاسل الإمداد، وكثير من الدول تتخذ موقفًا دفاعيًا يحاول فقط تقليل الخسائر. لكن في مصر، هناك فرصة مختلفة تمر كل يوم دون استغلال كامل: الشمس. ليست مجرد مصدر ضوء، بل أداة اقتصادية يمكن أن تعيد تشكيل موقع مصر في الاقتصاد العالمي إذا تم توظيفها بشكل استراتيجي.
المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في طريقة استخدامها. ارتفاع تكلفة الطاقة عالميًا جعل العامل الطاقي حاسمًا في قرارات الاستثمار، حيث يبحث المستثمر عن بيئة إنتاج منخفضة التكلفة ومستقرة. مصر تمتلك ميزتين نادرتين: موقع جغرافي يربط بين ثلاث قارات، ووفرة كبيرة في الطاقة الشمسية، خاصة قرب قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
العائد على المواطن يبدأ من خفض تكلفة الإنتاج في مصانع الصناعات الغذائية المعالجة والمعبأة، مثل مصانع معالجة الحبوب، البقوليات، والزيوت النباتية، التي تعتمد على الطاقة الشمسية لتشغيل عمليات التجفيف، الطحن، والتعبئة. هذه الكفاءة الطاقية تقلل أسعار المنتجات النهائية، مع زيادة القدرة التصديرية، وخلق آلاف الوظائف، دون تحميل المستهلك أي أعباء إضافية.
كما يمثل هذا النموذج حلاً عمليًا لتفادي غلق المحلات المبكر، من خلال توجيه المحلات والمولات والمطاعم والكافيهات لاستخدام الطاقة الشمسية بدل الإغلاق. بذلك، يستمر النشاط الاقتصادي دون توقف، وتُستغل الطاقة بشكل أكثر كفاءة، بينما تُخفض التكاليف التشغيلية، ويستفيد المستثمر والمستهلك معًا. يمكن للحكومة تقديم حوافز مباشرة، مثل دعم لتركيب الألواح الشمسية، وتسهيلات لتوصيل الطاقة للشبكة أو للمصانع المجاورة، ما يجعل الطاقة الشمسية أداة اقتصادية مباشرة لتعزيز الاستدامة والنشاط التجاري.
فالتحول الحقيقي يبدأ من تغيير طريقة التفكير. بدلًا من استخدام الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء فقط، يمكن تحويلها إلى أداة لجذب الاستثمار عبر إنشاء ممرات إنتاج صناعي تعتمد على الطاقة الشمسية مرتبطة مباشرة بموانئ التصدير. هذا النموذج يسمح بتخفيض تكلفة الإنتاج للمستثمرين وجذب استثمارات صناعية موجهة للتصدير، ما يجعل المنتجات المصرية أكثر قدرة على المنافسة عالميًا.
كما يمكن إدخال نموذج مبتكر لتسعير الطاقة يقوم على مبدأ “الطاقة مقابل الإنتاج”، حيث تنخفض تكلفة الطاقة كلما زاد حجم الإنتاج أو التصدير. هذا التحفيز يعزز العلاقة بين أداء المستثمر وأهداف الدولة، ويقلل الضغط على العملة الأجنبية، بينما يدعم النمو الاقتصادي المستدام ويوفر فرص عمل واسعة.
فتدعيم المصانع والصناعات الخفيفة بالطاقة الشمسية بأسعار منخفضة يقلل تكلفة الإنتاج ويجعل السلع أكثر تنافسية، ويحفز النمو الصناعي ويقلل الاعتماد على النشاط التجاري الاستهلاكي. تطبيق هذا النموذج مع السياسات الداخلية الذكية يمكن أن يحسن كفاءة الطاقة للاستخدام الصناعي، ويحقق خفضًا لتكلفة الإنتاج وزيادة الصادرات وتعزيز النمو الاقتصادي دون تحميل المواطن العادي أعباء إضافية.
في النهاية، القضية ليست الطاقة الشمسية وحدها، ولا الموقع الجغرافي فقط، بل بدمج هذين العنصرين في نموذج اقتصادي جديد مع سياسات داخلية ذكية. مصر تمتلك كل المقومات، والتحدي الحقيقي هو اتخاذ القرار بتحويل هذه المقومات إلى استراتيجية نمو وطنية واضحة.