رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د.محمد عسكر يكتب: التكنولوجيا العسكرية.. ركيزة أساسية لتعزيز الأمن القومي المصري

تفصيلة

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين كما كانت في العقود الماضية. فالعالم يشهد تحولًا عميقًا في طبيعة الصراعات، انتقلت معه موازين القوة من الاعتماد التقليدي على الجيوش الضخمة والأسلحة الثقيلة إلى التفوق في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وإدارة المعلومات والبيانات. وفي ظل هذا التحول المتسارع، باتت التكنولوجيا العسكرية عنصرًا حاسمًا في تحديد قدرات الدول على حماية أمنها القومي والحفاظ على توازنها الدفاعي في بيئة إقليمية ودولية تتسم بقدر كبير من التعقيد والتغير المستمر.
لقد أدت الثورة التكنولوجية إلى تغيير جوهري في أدوات الحروب وأساليبها. فالأنظمة الذكية والتقنيات الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومات القتال الحديثة، بدءًا من الطائرات بدون طيار وأنظمة الاستشعار المتطورة، مرورًا بتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، وصولًا إلى مجالات الحرب السيبرانية والفضائية. وتعتمد الجيوش المتقدمة اليوم على شبكات متكاملة من الأقمار الصناعية ووسائل الاتصالات العسكرية وأنظمة القيادة والسيطرة الحديثة، بما يسمح بإدارة العمليات العسكرية بدقة وسرعة غير مسبوقتين.
وفي هذا السياق، يبرز التفوق المعلوماتي باعتباره أحد أهم عناصر القوة في الحروب المعاصرة، إذ لم تعد المعركة تحسم فقط في ميادين القتال، بل كثيرًا ما تحسم قبل ذلك بقدرة الأطراف المختلفة على جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
إن هذه التحولات تفرض علينا تحديات استراتيجية لا يمكن تجاهلها. فالبيئة الإقليمية المحيطة بنا تشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة، فضلًا عن استمرار بعض التهديدات غير التقليدية مثل الإرهاب والجماعات المسلحة، إلى جانب التحديات المرتبطة بأمن الحدود والموارد. كما أن التطور السريع في قدرات بعض الجيوش في المنطقة يفرض على مصر الاستمرار في تحديث منظومتها الدفاعية بما يضمن الحفاظ على توازن القوى وحماية مصالحها الحيوية.
ومن هنا تبرز أهمية امتلاك قدرات تكنولوجية متقدمة تتيح للقوات المسلحة التعامل بكفاءة مع مختلف أنواع التهديدات. ولا يقتصر الأمر في هذا الإطار على استيراد الأسلحة المتطورة فحسب، بل يمتد إلى ضرورة توطين التكنولوجيا العسكرية وبناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على دعم احتياجات القوات المسلحة وتعزيز قدراتها على المدى الطويل.
وقد أدركت الدولة المصرية مبكرًا أهمية هذا التوجه، فعملت على تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية وتعزيز دور المؤسسات الصناعية المعنية بالإنتاج العسكري. ويسهم هذا التوجه في تقليل الاعتماد على الخارج، كما يتيح فرصًا لنقل التكنولوجيا وتطوير الخبرات الوطنية في المجالات الصناعية والهندسية المتقدمة.
فالصناعات الدفاعية تمثل أحد المحركات المهمة للتقدم التكنولوجي في العديد من الدول، إذ ترتبط بها قطاعات متعددة مثل الإلكترونيات والاتصالات والمواد المتقدمة والهندسة الدقيقة. ومن ثم فإن تطوير هذا القطاع لا ينعكس فقط على القدرات العسكرية، بل يمتد أثره أيضًا إلى دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز قدراته التكنولوجية.
وفي إطار السعي إلى تحديث قدراتها العسكرية، اتبعت مصر خلال السنوات الأخيرة سياسة تنويع مصادر التسليح، بما يحقق قدرًا أكبر من المرونة والاستقلالية في اتخاذ القرار العسكري. وقد شمل ذلك توسيع مجالات التعاون العسكري مع عدد من الدول في مجالات التدريب ونقل التكنولوجيا والحصول على أنظمة تسليح متطورة، وهو ما يسهم في تعزيز قدرات القوات المسلحة في مختلف الأفرع الرئيسية.
كما أن التعاون العسكري لا يقتصر على صفقات التسليح، بل يشمل كذلك المناورات المشتركة وبرامج التدريب المتبادل، وهي عناصر تسهم في تبادل الخبرات والاطلاع على أحدث الأساليب القتالية والتكنولوجية المستخدمة في الجيوش الحديثة.
ومع التوسع الكبير في استخدام الأنظمة الرقمية في إدارة العمليات العسكرية، أصبح الفضاء السيبراني ساحة جديدة من ساحات الصراع بين الدول. فالهجمات الإلكترونية قد تستهدف أنظمة القيادة والسيطرة أو البنية التحتية الحيوية، وهو ما يجعل تطوير قدرات الأمن السيبراني والحرب الإلكترونية ضرورة أساسية لحماية المنظومات الدفاعية الحديثة.
وفي هذا الإطار، تزداد أهمية بناء كوادر متخصصة في مجالات أمن المعلومات والتقنيات الرقمية، إلى جانب تطوير أنظمة متقدمة لرصد الهجمات الإلكترونية والتعامل معها بكفاءة وسرعة.
غير أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة وحده لا يكفي لتحقيق التفوق العسكري، إذ يظل العنصر البشري هو الركيزة الأساسية في تشغيل هذه المنظومات والاستفادة منها. فالتكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها تظل في حاجة إلى عقول قادرة على فهمها وتطويرها وتوظيفها في خدمة الأهداف الاستراتيجية للدولة.
ولهذا فإن تطوير منظومة التعليم والتدريب العسكري يمثل أحد المحاور الأساسية في بناء قوة عسكرية حديثة، سواء من خلال تحديث المناهج التعليمية في الكليات والمعاهد العسكرية أو عبر التوسع في برامج التدريب المتخصص في المجالات التكنولوجية المتقدمة.
كما أن تعزيز التعاون بين المؤسسات العسكرية والجامعات ومراكز البحث العلمي يمثل خطوة مهمة في دعم الابتكار التكنولوجي وتطوير التطبيقات العلمية التي يمكن توظيفها في المجالات الدفاعية.
ورغم ما تحقق من تقدم في هذا المجال، فإن تطوير التكنولوجيا العسكرية يظل عملية معقدة تواجهها تحديات عديدة، من بينها ارتفاع تكاليف البحث والتطوير، وسرعة التغير في طبيعة التقنيات العسكرية، إضافة إلى القيود التي تفرضها بعض الدول على نقل التكنولوجيا المتقدمة.
غير أن مواجهة هذه التحديات تتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي، وتعزيز القدرات الصناعية والتكنولوجية الوطنية، بما يضمن بناء منظومة دفاعية قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
وفي النهاية، فإن بناء قوة عسكرية حديثة لم يعد يعتمد فقط على امتلاك السلاح المتطور، بل يتطلب أيضًا القدرة على الابتكار والتكيف مع التحولات التكنولوجية المتلاحقة. وفي هذا الإطار، يصبح الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية وتطوير الصناعات الدفاعية وبناء الكوادر البشرية المؤهلة أحد أهم الركائز التي يمكن أن تضمن لمصر الحفاظ على أمنها القومي وتعزيز مكانتها في عالم تتغير فيه موازين القوة باستمرار.


دكتور /محمد عسكر
إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

تم نسخ الرابط