د. ياسمين جمال تكتب: كيف نُهيّئ أبناءنا نفسيًا للرجوع للدراسة بعد العيد؟
مع انتهاء أيام العيد وما تحمله من فرحة وتغيير في الروتين اليومي، يبدأ الأطفال والمراهقون في مواجهة مرحلة انتقالية قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل الكثير من التحديات النفسية، فالعودة إلى الدراسة بعد فترة من الراحة والحرية لا تكون سهلة دائمًا، خاصة بعد أن اعتاد الأبناء على السهر، واللعب، وقضاء وقت أطول مع العائلة. ومن هنا، تبرز أهمية التهيئة النفسية التي تسبق العودة، حتى لا تتحول هذه المرحلة إلى مصدر توتر أو رفض.
ففي البداية، يجب أن ندرك أن شعور الأبناء بالكسل أو عدم الرغبة في العودة إلى الدراسة أمر طبيعي، ولا يستدعي القلق أو التوبيخ. فالعقل يحتاج إلى وقت لإعادة التكيف مع النظام بعد فترة من التغيير، ومن ناحية أخرى، فإن الضغط المباشر أو الأوامر الحادة قد تزيد من هذا الرفض، وتجعل الطفل ينظر إلى الدراسة باعتبارها عبئًا، لا جزءًا من حياته اليومية.
ومن هنا، يأتي دور الأسرة في إدارة هذه المرحلة بوعي وهدوء، فبدلًا من الانتقال المفاجئ من أجواء العيد إلى أجواء الالتزام، يمكن البدء تدريجيًا بإعادة تنظيم اليوم، مثل ضبط مواعيد النوم والاستيقاظ قبل العودة الفعلية إلى الدراسة، هذا التدرج يساعد الجسم والعقل على استعادة الإيقاع الطبيعي دون صدمة.
كذلك، من المهم التحدث مع الأبناء حول العودة إلى المدرسة بشكل إيجابي، دون مبالغة أو تهديد. يمكن تذكيرهم بأصدقائهم، وأنشطتهم المفضلة، والجوانب التي يحبونها في يومهم الدراسي. فربط الدراسة بتجارب إيجابية يخفف من شعور النفور، ويعيد إليها معناها الطبيعي.
ومن جهة أخرى، يجب الانتباه إلى الحالة النفسية لكل طفل على حدة، فبعض الأطفال قد يظهرون مقاومة واضحة، بينما يعبّر آخرون عن قلقهم بشكل غير مباشر، مثل التوتر أو العصبية، وهنا، يصبح الحوار الهادئ أداة أساسية لفهم ما يشعرون به، بدلًا من الاكتفاء بتفسير سلوكهم على أنه كسل أو إهمال.
كما أن تقليل الاعتماد على الشاشات قبل العودة للدراسة يلعب دورًا مهمًا في التهيئة النفسية، لأن الانتقال المفاجئ من وقت طويل أمام الهاتف أو الألعاب إلى التركيز في الدراسة قد يكون صعبًا، لذلك، فإن إعادة التوازن تدريجيًا بين الترفيه والالتزامات يساعد الأبناء على التكيف بشكل أفضل.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن تشجيع الأبناء على المشاركة في تنظيم يومهم، مثل ترتيب أدواتهم الدراسية أو وضع خطة بسيطة لأسبوعهم الأول، يمنحهم شعورًا بالمسؤولية والتحكم، ويجعل العودة أقل توترًا وأكثر استعدادًا.
ولا يمكن إغفال أهمية الدعم العاطفي في هذه المرحلة. فالكلمة الطيبة، والتشجيع، وتفهم مشاعر الأبناء، كلها عوامل تساهم في بناء حالة نفسية مستقرة تساعدهم على تقبل العودة. فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى تنظيم الوقت، بل إلى شعور بالأمان والاحتواء.
لذا، فإن العودة إلى الدراسة بعد العيد ليست مجرد تغيير في الروتين، بل هي انتقال نفسي يحتاج إلى وعي وصبر. وحين تتعامل الأسرة مع هذه المرحلة بهدوء وتدرج، يمكن أن تتحول من مصدر ضغط إلى فرصة لإعادة التوازن، وبداية جديدة أكثر تنظيمًا وهدوءًا لأبنائنا.
د.ياسمين جمال
باحثة دكتوراه الإعلام التربوي بجامعة عين شمس.