رائد الديب يكتب: لم يجدوا الأمان.. ملاجئ الاحتلال مسرح للتحرش والأوبئة
فضاءات خانقة يعيش فيها عشرات الآلاف من الإسرائيليين لساعات طويلة.. قلق وخوف فلم تعد ملاجئ الاحتلال الإسرائيلي مجرد منشآت دفاعية مخصصة للحماية، بل تحولت مع تصاعد الحرب "الإسرائيلية الأمريكية _ الإيرانية" وما قبلها في غزة، إلى ملاجئ مليئة بالأزمات الصحية والنفسية والاجتماعية.
شهادات الإسرائيليين أنفسهم كشفت كم الاكتظاظ الشديد ونقص التجهيزات الأساسية لملاجئ الاحتلال تحت الأرض، إلى جانب حوادث تحرش واعتداءات جنسية داخل تلك الملاجئ، ليصف الإسرائيليون حياتهم خلال الحرب بأنها" عيش قسري داخل سجون تحت الأرض".
ومع كل دوي لصفارات الإنذار، تتكرر المشاهد نفسها في المدن الإسرائيلية، خاصة في تل أبيب والمناطق الوسطى؛ حيث يهرع الآلاف نحو الملاجئ، أطفال يبكون، وعائلات تحاول الاحتماء في مساحات ضيقة بينما يسمعون أصوات الانفجارات في الخارج.. لتوثق آلاف مقاطع الفيديو وشهادات من داخل الملاجئ حالات ذعر وانهيار عصبي بين الإسرائيليين نتيجة الضغط النفسي المستمر.. فالبقاء لساعات طويلة في أماكن مغلقة تحت الأرض، مع توقع سقوط صاروخ في أي لحظة، يخلق حالة من التوتر الجماعي تنعكس بوضوح على الحالة النفسية للإسرائيليين.
ورغم الصورة التي لطالما قدمتها إسرائيل عن جاهزية جبهتها الداخلية، كشفت الحرب الأخيرة مع إيران عن ثغرات واضحة في البنية التحتية لملاجئ الاحتلال.. ووفقا تقارير إعلامية، لا يملك ملايين الإسرائيليين ملاجئ محصنة داخل منازلهم، ما يجبرهم على اللجوء إلى الملاجئ العامة التي تعاني غالبا من الاكتظاظ وسوء التجهيز، خاصة في الأحياء القديمة أو المناطق الجنوبية، التي تفتقر إلى أساسيات مثل التهوية الجيدة والمياه والخدمات الصحية؛ ومع طول فترات البقاء داخل هذه الأماكن، يتحول الاحتماء المؤقت إلى تجربة قاسية يعيشها الإسرائيليون يوميا.
ملاجئ مغلقة واكتظاظ، أدى إلى بيئة ملائمة لانتشار الأمراض، خاصة الأمراض التنفسية والفيروسية.. فحسب بيانات صحة الاحتلال الإسرائيلي، سجلت إسرائيل منذ بداية الحرب مع إيران إصابة أكثر من 2745 شخصا، فيما كان 2557 مصابا يتلقون العلاج في المستشفيات حتى منتصف مارس 2026 نتيجة تداعيات الحرب.. كما تحذر تقارير طبية من أن البقاء لفترات طويلة في أماكن سيئة التهوية ومكتظة قد يؤدي إلى انتشار العدوى بسرعة، خاصة في ظل الضغط النفسي وقلة النوم وسوء الظروف المعيشية داخل تلك الملاجئ.
لم تقتصر المشكلات داخل الملاجئ على الجوانب الصحية، بل ظهرت أيضا توترات اجتماعية حادة بين الإسرائيليين.. لتوثق مقاطع فيديو وتقارير إعلامية حالات منع بعض العائلات من دخول الملاجئ، بينما سمح لآخرين بالدخول، ما أثار اتهامات بوجود تمييز وعنصرية بالداخل الإسرائيلي.. وفي ظل الضغط والخوف، تحولت بعض الملاجئ إلى بؤر صراع بين الإسرائيليين، حيث يرفض البعض دخول أشخاص آخرين إلى الملجأ خوفا من الاكتظاظ أو لأسباب اجتماعية، ما يعكس تصدعات داخل المجتمع الإسرائيلي تظهر بوضوح في أوقات الأزمات.
ومن أخطر الظواهر التي رصدتها التقارير الحقوقية والصحفية زيادة حالات التحرش والاعتداء الجنسي داخل أماكن الإيواء والملاجئ.. فوجود أعداد كبيرة من الأشخاص في مساحات ضيقة لفترات طويلة، مع ضعف الرقابة، خلق بيئة قد تسمح بحدوث مثل حالات التحرش والاعتداءات الجنسية.. وتشير بيانات مراكز دعم ضحايا الاعتداء الجنسي في إسرائيل إلى ارتفاع البلاغات المرتبطة بالعنف الجنسي بنسبة وصلت إلى 45% في بعض القطاعات خلال عام 2024، مع استمرار هذا الاتجاه في ظل ظروف الحرب الحالية.
كما أظهرت إحصاءات، أن 81% من شكاوى الجرائم الجنسية في إسرائيل تغلق دون توجيه اتهامات، وهو ما يزيد من معاناة الضحايا ويعزز شعورهم بعدم العدالة.. ويربط مختصون بين الضغط النفسي الناجم عن الحرب وبين ارتفاع معدلات العنف المنزلي والجنسي، خاصة في الأماكن المغلقة التي يضطر الناس للبقاء فيها لفترات طويلة.
مشاهد تعكس جانبا من التداعيات العميقة للحرب التي تخوضها إسرائيل منذ اندلاعها في غزة واتساعها مع إيران، حيث يعيش ملايين الإسرائيليين بين رعب الصواريخ وضيق الحياة داخل الملاجئ، وسط انكشاف أزمات بنيوية تضرب البنية التحتية والنسيج الاجتماعي والنفسي.
وفي ظل تصاعد التوترات، تحولت الملاجئ من وسيلة حماية إلى مرآة تعكس حجم الاختناق الداخلي، حيث يمتزج الخوف بالمرض والتوتر داخل فضاءات أشبه بسجون فرضتها سياسات الاحتلال على مجتمعه.
رائد الديب _ كاتب صحفي وباحث سياسي