رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د. حنان نجيب تكتب: لماذا يحتاج مؤشر التضخم المصري إلى تحديث؟

تفصيلة

غالبًا ما يُختزل تقييم أداء الاقتصاد في مؤشر واحد يتصدر العناوين، وهو معدل التضخم. فارتفاعه يُفسَّر عادةً بوصفه إشارة إلى تزايد الضغوط السعرية في الاقتصاد، بينما يُنظر إلى انخفاضه كدليل على تحسن الأوضاع الاقتصادية واستقرار الأسعار. غير أن هذا الاختزال يغفل الطبيعة المعقدة لظاهرة التضخم؛ فهي ليست ظاهرة متجانسة تؤثر في جميع الأفراد والقطاعات بنفس الدرجة، بل تتباين آثارها تبعًا لاختلاف مستويات الدخل وأنماط الاستهلاك والتوزيع الجغرافي للإنفاق. ولذلك قد تعكس الأرقام الرسمية واقعًا إحصائيًا صحيحًا من حيث القياس، لكنها لا تقدم بالضرورة تفسيرًا كاملًا للديناميكيات الاقتصادية التي تشكل التجربة الفعلية للأسعار في الأسواق.
في الحالة المصرية، يتم قياس التضخم على أساس شهري وسنوي. وغالبًا ما يُستخدم معدل التضخم السنوي بوصفه المؤشر الرئيسي للحكم على اتجاهات الأسعار، لأنه يعكس التغيرات التراكمية في مستويات الأسعار خلال عام كامل. أما معدل التضخم الشهري فيقدم صورة أكثر آنية لتطور الأسعار من شهر إلى آخر، لكنه أقل استخدامًا في التحليلات الرسمية والإعلامية. ورغم أهمية هذين المقياسين، فإنهما لا يعكسان بالضرورة التجربة الفعلية التي يشعر بها المواطن في الأسواق، إذ يختلف تأثير التضخم بين الأسر وفق تركيبة سلة الاستهلاك ومستوى الدخل والموقع الجغرافي. ومن ثم يصبح الرقم الإحصائي وصفًا عامًا للظاهرة، لا تفسيرًا كاملًا لديناميكيات الأسعار داخل الاقتصاد.
تاريخيًا، سعى الاقتصاديون منذ منتصف القرن العشرين إلى فهم العلاقة بين الأسعار والنشاط الاقتصادي. ففي عام 1958 قدم الاقتصادي Alban William Phillips تحليله الشهير للعلاقة بين البطالة ونمو الأجور الاسمية في الاقتصاد البريطاني، ولاحظ وجود علاقة عكسية بين معدل البطالة ومعدل نمو الأجور، وهو ما أصبح يُعرف لاحقًا باسم Phillips Curve. غير أن الدراسات اللاحقة أظهرت أن العلاقة بين التضخم والنشاط الاقتصادي أكثر تعقيدًا، إذ يتأثر التضخم أيضًا بتوقعات الأفراد والشركات بشأن التطورات المستقبلية للأسعار.
في مصر، يتم قياس التضخم من خلال مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، الذي يعكس التغيرات في أسعار سلة من السلع والخدمات التي تمثل أنماط الاستهلاك للأسر. ويُعد هذا المؤشر الأداة الأساسية المستخدمة في تقييم تطورات الأسعار، كما يمثل أحد المؤشرات الرئيسية التي يعتمد عليها Central Bank of Egypt في صياغة السياسة النقدية واتخاذ قراراتها.
ومع ذلك، فإن الرقم الكلي للتضخم لا يعكس التجربة الفعلية لجميع فئات المجتمع. فالأسر الواقعة في الشرائح منخفضة الدخل تنفق نسبة أكبر من دخلها على السلع الأساسية مثل الغذاء والطاقة، ما يؤدي إلى تضخم غير متكافئ بين الشرائح الاجتماعية. وقد تختلف معدلات التضخم الفعلية التي تتعرض لها هذه الأسر عن متوسط المؤشر الكلي نتيجة اختلاف هيكل إنفاقها مقارنة بسلة الاستهلاك المستخدمة في حساب المؤشر العام.
إضافة إلى ذلك، قد يتأثر التضخم بعوامل متعددة، مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو تقلبات سعر الصرف، أو صدمات العرض العالمية، أو زيادة الطلب المحلي. ولهذا فإن الاعتماد على رقم واحد للتضخم قد لا يكون كافيًا لفهم جميع مصادر الضغوط السعرية داخل الاقتصاد، وهو ما يجعل تحليل مكونات التضخم وتوقعاته أمرًا بالغ الأهمية لصياغة سياسات اقتصادية فعالة.
وقد أدركت العديد من الدول أهمية تطوير مؤشرات قياس الأسعار. ففي United States يتم تحديث سلة الاستهلاك دوريًا لتعكس التغيرات في أنماط الاستهلاك وظهور خدمات جديدة، بينما قامت United Kingdom بتطوير مؤشر موسع للتضخم يدمج تكاليف السكن، وتعمل دول مثل Canada وJapan على تحديث أوزان سلة الاستهلاك بانتظام لمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
أما في مصر، ورغم أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قام بتحديث سنة الأساس لمؤشر الأسعار، فإن وتيرة التحديث لا تزال أقل نسبيًا مقارنة ببعض الاقتصادات المتقدمة. ومع تسارع التغيرات في أنماط الاستهلاك وظهور خدمات ومنتجات جديدة، تظهر الحاجة إلى مراجعة أكثر دورية لأوزان سلة الاستهلاك ومنهجيات القياس لتعكس بصورة أدق الضغوط السعرية التي يواجهها المواطن في حياته اليومية.
لتجاوز حدود مؤشر أسعار المستهلك التقليدي (CPI)، يمكن اقتراح نموذج نموذج مؤشر تضخم مركب يأخذ في الاعتبار عدة مكونات رئيسية، تشمل التضخم حسب مستوى الدخل (Income-Based Inflation)، والتضخم حسب المناطق الجغرافية (Regional Inflation)، والتضخم الأساسي (Core Inflation) المستبعد منه السلع شديدة التقلب، والتضخم المستورد (Imported Inflation) الناتج عن تغير أسعار الواردات. يتيح هذا النموذج تقدير أوزان كل مكون بناءً على الدراسات الاستهلاكية والتحليل الاقتصادي، بحيث يعكس بدقة أكبر طبيعة الضغوط السعرية التي يواجهها المواطن.
يسمح هذا النهج بقياس التضخم غير المتكافئ بين الشرائح الاجتماعية، وفصل أثر التقلبات العالمية عن الضغوط المحلية، كما يدعم صناع القرار في تحديد السياسات النقدية والمالية بدقة أكبر، بما يساهم في تحسين الاستقرار الاقتصادي وحماية القوة الشرائية للأسر.

تم نسخ الرابط