د. ياسمين عادل تكتب: أين كان هولاء من مستقبل مصر؟
منذ آلاف السنين عاش المصري القديم بشكل منظم ومستمر حول شريط نهر النيل الذي أمتد طولة بداية من جنوب مصر وصولاً إلى نهاية رحلته في شمال مصر وبفضل خصوبة تربة مصر وطميها الغزير سميت مصر قديمًا بـ "كيميت" الأرض السوداء ولارتباط المصري القديم بنهر النيل والأرض التي يعيش عليها امتهن مهنة الزراعة فقد وصفت مصر في كتاب الله العزيز ب " خزائن الأرض " وظلت هي ملجئ الجوعى من شتي بقاع الأرض يلوذ بها من حل عليهم القحط.
وفي مرحلة لاحقة أثناء إرساء مبادئ العدالة الاجتماعية في مصر بعد انتقال مصر من الملكية إلى الجمهورية الأولى وتقديراً للفلاح المصري الذي يشكل عمود المجتمع المصري أعيدت الأمور لنصابها الحقيقي فبعد أن كان الفلاح المصري مجرد " عامل" في الأراضي التي استولي عليها الإقطاعيين الذين استوطنوا مصر مع موجات الاحتلال المتعاقبة وجعل مصر تابعة لكيان مستعمر منها " الباب العالي " ظل أعوام يسلب أبناء ذلك الوطن حقهم المشروع في أرضهم الطيبة وفرض الجبايات وسيطر المحتل ليس فقط علي حكم مصر وإنما أيضاً علي أراضي المصريين فقد أعادت الثورة الأم 1952 للمصريين حق أصيل من حقوقهم وهو حق الملكية في وطنهم ومنحتهم صكوك ملكية الأراضي الزراعية في خطوة هامة من خطوات مشروع الإصلاح الزراعي في مصر والذي طبق علي يد زعيم الثورة الأم الرئيس جمال عبد الناصر.
وبمرور الأزمنة وفي ظل مرحلة تفشى فيها الإهمال والفساد في الجهاز الإداري للدولة وعجزت القوانين عن الردع وقطع كل يد تمتد على رقعة مصر الزراعية الخصبة حيث تعتبر مسألة التعدي على الأراضي الزراعية بالبناء أحد أهم القضايا ومن أبرز العوامل الأساسية والمؤثرة والتي أدت إلى إنكماش مساحة الرقعة الزراعية ففي غفلة من القائمين علي المتابعة نالت أيادي الطامحين في الثراء السريع من مساحات واسعة حيث أشارت التقارير الصادرة عن هيئة الإستشعار عن بعد ومراقبة الأراضي من خلال الأقمار الصناعية أن مصر فقدت علي مدار 20 عاما أكثر من 700 ألف فدان من أخصب الأراضي في العالم وذلك حتي عام 2010 وبمعدل 30 ألف فدان سنوياً وهو نتيجة طبيعية لزيادة معدلات البناء على الأراضي الزراعية خاصة في مدن الدلتا والوادي وفي ظل حالة الإنفلات والسيولة التي كادت أن تودي بمصر بوقوع أحداث يناير 2011 أشارت التقارير الخاصة برصد التعديات على الأراضي الزراعية والتي صدرت عن إدارة حماية أراضي الدولة التابعة إلي وزارة الزراعة إلي زيادة معدلات نهب وتجريف الأراضي الزراعية بصورة غير مسبوقة.
وعلي الرغم من الإجراءات التي اتخذتها دولة 30 يونيو للحد من تلك الممارسات من خلال سن تشريعات حازمة تغلظ عقوبة إرتكاب تلك النوعية من الجرائم والتي لا تطال الأجيال الحالية فقط وأنما تتصاعد خطورتها وتمس الأجيال القادمة فقد فرض قانون 7 لسنة 2019 وتعديلاته بالقانون 1 لسنة 2020 حماية خاصة للرقعة الزراعية في مصر وفرضت غرامات مالية تصل إلى 5 ملايين جنية مصري مع تغليظ عقوبة السجن لتصل إلى 5 سنوات بأحكام صادرة عن المحاكم العسكرية وذلك نظراً لخطورة الجرم وما يترتب عليه من تهديد مباشر لمستقبل وحاضر الأمن الغذائي المصري فمع زيادة معدلات السكان في مصر زاد أثر جريمة تجريف الرقعة الخصبة وتأثير توابعها السلبية علي الأجيال القادمة.
وعلى الرغم من محاولات التحجيم لعدم تكرار ذلك الجرم الإ إنه ظلت الإشكالية الاكثر خطورة تواجهه الدولة المصرية وتتمثل في تأمين وضمان وحماية الأمن الغذائي للمجتمع المصري حتي جاء الحل نابع عن عقل وحكمة رأس الدولة المصرية المتمثل في القيادة السياسية السيد رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة المشير/ عبد الفتاح السيسي والذي رأي وجوب وضرورة إنشاء جهة معنية ومنوط بها ضمان الأمن الغذائي بإتباع سبل وأساليب وأنظمة تحقق عنصر التنمية المستدامة بوضع برامج تفعل بأحدث الوسائل التكنولوجية الحديثة والتي وصلت إليها الأبحاث لإمكانية استصلاح الأراضي الصحراوية وتنمية الثروة السمكية وإنشاء مناطق صناعية وسلسلة صوامع تستهدف بناء منظومة متكاملة وبالفعل أطلق كيان تنموي عملاق وفق قرار صادر عن السيد رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 20200 وهو جهاز مستقبل مصر حيث بلور ذلك الجهاز الرائد الرؤية الاستراتيجية التي تبنتها القيادة السياسية والتي تهدف إلى تحقيق الإكتفاء الذاتي والحد من الاستيراد بتنفيذ إستصلاح 5 مليون فدان وذلك بحلول عام 2027 في مناطق مختلفة وبحصر مناطق الاستصلاح تتمثل في كل من :
* مشروع الداخلة - العوينات محافظة الوادي الجديد " 660 ألف فدان " .
* مشروع بني سويف والمنيا - الظهير الصحراوي الشرقي للمحافظتين " 62 ألف فدان" .
* مشروع أسوان - سنابل سونو " 850 ألف فدان " .
* مشروع الدلتا الجديدة - محور الضبعة " 2.2 مليون فدان" .
* مشروع العريش - حرم مطار العريش "40.5 ألف فدان " .
* مشروع السادات - مدينة السادات " 41 ألف فدان " .
* مشروع شمال ووسط سيناء " 600 ألف فدان " .
* مشروع الكفرة " 600 ألف فدان " .
* الصوب الزراعية - محور الضبعة " 5 آلاف فدان " .
* الصوب الزراعية ـ اللاهون "12 ألف فدان" .
إضافة إلى ذلك حرص جهاز مستقبل مصر علي تأسيس مناطق صناعية متكاملة تشمل صوامع وثلاجات ومصانع تعبئة وتغليف ومصانع متخصصة في مجال الزيوت والأعلاف توفر تلك المناطق الصناعية الآلاف من فرص العمل لشباب مصر فقد حرصت الرؤية التشغيلية علي توفير منظومة متكاملة تعمل على خدمة الحقول الزراعية والمزارع السمكية وقد وصل عدد العاملين بجهاز مستقبل مصر إلي أكثر من 10001موظف .
وعلي الرغم من الدور الرائد الذي يقوم به الجهاز في مجال الاستصلاح الزراعي والسمكي والصناعي وبذل جهود لتحقيق الهدف الاستراتيجي المنشود إلا أنه لم يغفل ما قد يستطيع تقديمه من خلال تفعيل حقيقي لدورة المجتمعي في سبيل دعم المواطن المصري بشكل مباشر سواء من خلال توفير سلع غذائية أو دواجن بأسعار مخفضة في كافة المحافظات في محاربة حقيقية لجشع التجار والتي تؤثر ممارستهم علي الحالة الإقتصادية للأسر المصرية كذلك وضع جهاز مستقبل مصر أحد أولوياته هو تقديم صادرات زراعية تليق بإسم مصر علي مستوي مرتفع ومتميز من الجودة.
إن ما سعت إليه القيادة السياسية أمر سابقاً لعصره وخطوة تحصين لمصير مصالح مصر وشعبها فقد منحت القيادة السياسية رعاية خاصة لضمان تحقيق الأمن الغذائي والوصول إلي الإكتفاء الذاتي في ظل منطقة مضطربة وعالم مشتعل ومتعدد الصراعات وفرض هيمنة دول كبري ومحاولات بسط نفوذ دول معادية للتأثير علي القرار المصري وما أثبت عبر التجارب علي مدار تاريخ دول من تمكن دول معادية أن تستغل عجز دول مستهدفة عن تحقيق أمنها الغذائي ونجحت في أن " تكبل إرادتها "ومن ثم المساس بأمنها القومي .
والآن وفق تصريحات الرئيس التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة الدكتور بهاء الغنام يعمل الجهاز علي رفع القدرات التخزينية لأحد أهم السلع الاستراتيجية الأساسية عند المواطن المصري وهو "القمح "والذي يكلف الدولة ملايين الدولارات من ميزانية الدولة المصرية مما يشكل عبء حقيقي علي موارد الدولة إضافة إلى إمكانية إستغلال الاحتياج لتلك السلعة من قبل الدول المعادية مع ندرة توفرها في حالة اشتعال الصراعات ووقوع الحروب في الدول المصدرة فالقمح يعد العنصر الرئيسي علي سفرة الأسرة المصرية منذ عصر المصريين القدماء حيث جاء "التوجه وفق التوجيه" إلي رفع القدرات التخزينية للقمح من 600 ألف طن إلى مليون طن في إطار خطة استراتيجية شاملة تهدف لخفض فاتورة الاستيراد والتوسع في بناء الصوامع لتأمين التحكم في توقيت الشراء والإنتاج مما يحقق تقليل التكاليف وتحقيق الأمن الغذائي.
والسؤال الآن أين كان هولاء من تجريف رقعة مصر الخصبة وماذا يريد هولاء من مستقبل مصر؟.