د. ياسمين جمال تكتب: أخبار الحروب وتأثيرها على الأطفال وعي مبكر أم عبء نفسي ثقيل؟
في عالم لم تعد فيه الحروب بعيدة عن البيوت، أصبحت أخبار الصراعات والنزاعات جزءًا من المشهد اليومي الذي يصل إلى الأطفال قبل الكبار، فبضغطة زر، تظهر الصور، وتُبث المقاطع، وتتناقل العناوين العاجلة، دون اعتبار كافٍ لمن يتلقاها أو لتأثيرها النفسي العميق. وهنا يطرح الواقع تساؤلًا ملحًّا: كيف تؤثر أخبار الحروب على الأطفال؟ وهل ما يتلقونه وعي مبكر بما يحدث في العالم، أم عبء نفسي يفوق قدرتهم على الاحتمال؟
الطفل بطبيعته، لا يمتلك الأدوات العقلية ولا الخبرة الحياتية التي تمكّنه من فهم تعقيدات الحروب وأسبابها وسياقاتها السياسية. فهو يرى الصورة قبل الفكرة، ويتأثر بالمشهد قبل التحليل.
عندما يتعرض لمشاهد الدمار أو يسمع عن القتل والتهجير، قد تتكوّن داخله مشاعر خوف وقلق دون أن يجد تفسيرًا منطقيًا يخفف من حدّتها. ومع تكرار هذه الأخبار، يصبح الخوف حالة مستمرة، لا مجرد رد فعل مؤقت.
ومن ناحية أخرى، قد يظن بعض الكبار أن تعرّض الطفل لأخبار الحروب يساهم في زيادة وعيه بما يدور حوله، ويُنمّي إحساسه بالمسؤولية تجاه القضايا الإنسانية. غير أن هذا الوعي، إذا جاء دون توجيه أو احتواء، قد يتحول إلى عبء نفسي ثقيل، فالطفل لا يملك القدرة على الفصل بين ما يحدث “هناك” وما قد يحدث “هنا”، وقد يشعر بأن العالم كله غير آمن، وأن الخطر قريب في أي لحظة.
كما أن المراهقين، رغم نضجهم النسبي، ليسوا بمنأى عن هذا التأثير، فالتعرض المستمر لأخبار الحروب قد يولّد لديهم حالة من التوتر الدائم، أو الإحباط، أو حتى التبلّد العاطفي، حيث يفقدون القدرة على التعاطف مع الألم الإنساني نتيجة كثرة المشاهد الصادمة. وهنا تكمن الخطورة، لأن التبلّد لا يعني القوة، بل هو آلية دفاع نفسية قد تخفي خلفها اضطرابًا داخليًا غير معلن.
وفي هذا السياق، يتحمّل الإعلام مسؤولية كبيرة. فطريقة تغطية الحروب لا تقل أهمية عن الحدث نفسه، فالإفراط في عرض الصور القاسية، أو التركيز المستمر على مشاهد العنف، قد يُضاعف الأثر النفسي السلبي على الأطفال، بينما يمكن للإعلام الواعي أن يقدّم الحدث في إطار أكثر إنسانية، يشرح ولا يروّع، ويعرض الحقيقة دون صدمة، ويوازن بين نقل الخبر واحترام نفسية المتلقي.
ومن جهة أخرى، يظل دور الأسرة هو الأهم في حماية الطفل من التأثيرات السلبية لأخبار الحروب. فالمنع الكامل قد لا يكون حلًا في عصر الإعلام المفتوح، لكن التفسير الواعي يُعد ضرورة. فعندما يسأل الطفل عمّا يشاهده، يحتاج إلى إجابة بسيطة وصادقة تطمئنه، وتؤكد له أن هناك من يحميه ويهتم بأمانه. كما أن مشاركة المشاعر، وفتح باب الحوار، يساعدان الطفل على تفريغ خوفه بدلًا من كتمانه.
كذلك، من المهم أن يحرص الأهل على ضبط توقيت وكمية الأخبار التي يتعرض لها الأبناء، خاصة قبل النوم، لأن العقل الصغير يحتفظ بالمشاهد الأخيرة ويعيد إنتاجها في صورة قلق أو أحلام مزعجة. وفي المقابل، يمكن توجيه الطفل نحو أنشطة تعزز الإحساس بالأمان، وتعيد له التوازن النفسي، مثل اللعب، أو القراءة، أو الحديث العائلي الهادئ.
لذا، يمكن القول إن أخبار الحروب واقع لا يمكن تجاهله، لكن طريقة تقديمها واستقبالها هي ما يصنع الفارق، فالطفل لا يحتاج إلى معرفة كل التفاصيل، بقدر حاجته إلى الشعور بالأمان. وحين تتكامل أدوار الإعلام والأسرة في تقديم الخبر بوعي، واحتواء أثره النفسي، يمكننا أن نُنشئ أطفالًا أكثر فهمًا للعالم، دون أن نحمّلهم أثقالًا نفسية لا تناسب أعمارهم، ودون أن نسرق منهم حقهم الطبيعي في الشعور بالطمأنينة.
د.ياسمين جمال
باحثة دكتوراة الاعلام التربوي بجامعة عين شمس