رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

وداد العربي تكتب: أسرار ما قبل الانفجار: الدور الخفي للموساد في استهداف طهران

تفصيلة

في خضم الضربة العسكرية المشتركة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة صباح 28 فبراير 2026 على مواقع استراتيجية في إيران، بعد أشهر من التخطيط المشترك، كتب الصحفي والمحلل السياسي الإسرائيلي "بن كاسبيت" أن الهجوم الذي استهدف طهران وعددًا من المواقع الحيوية «لم يكن وليد لحظة، بل نتاج أشهر طويلة من العمل الاستخباراتي المتراكم»، لم يكن بن كاسبيت يصف مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل كان يلمّح إلى بنية أعمق تتحرك خلف الطائرات والصواريخ. فالهجوم - حسب وصفه - شارك في الإعداد له شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ووحدة 8200، والموساد، ضمن منظومة متكاملة جمعت معلومات دقيقة عن مواقع حساسة وأماكن وجود قيادات سياسية وعسكرية إيرانية، حتى لحظة التنفيذ التي جاءت مفاجئة وفي توقيت غير متوقع نسبياً.
لكن وسط هذا المشهد، يبرز سؤال أكثر أهمية: إذا كان الجيش هو من ضغط على الزناد، فأين كان الموساد؟..
لم يظهر دور الموساد بوضوح في الإعلام الرسمي كما حدث في عمليات سابقة، لكن الأدلة والتحليلات تُشير إلى أن الدور لا يزال مركزيًا، وإن بقي سراً استراتيجياً.

الموساد من أرشيف 2018 إلى اليوم
لفهم طبيعة عمل الموساد في إيران، يكفي التوقف عند عملية الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني عام 2018، التي كشف تفاصيلها لاحقا رئيس الموساد السابق يوسي كوهين في كتابه The Sword of Freedom.
العملية لم تعتمد على "معلومة ذهبية" واحدة، بل على لغز استخباراتي متعدد الطبقات:
تتبع مسارات شحن.
مراقبة ميدانية.
اعتراض اتصالات.
تصوير جوي وأرضي.
هذا النموذج القائم على تجميع أجزاء الصورة لا انتظار المفاجأة هو ذاته الذي يُرجح أن الموساد يقف بالفعل خلف ضربات اليوم في إيران.

الموساد كحارس المعلومات
وفقاً لتقارير استخباراتية وتحليلات سابقة للهجمات الكبرى، الموساد كان عادة في مقدمة التخطيط الاستخباراتي فيما يتعلق بالمعلومات الحساسة حول الأهداف الإيرانية:
في عملية يونيو 2025، أظهرت مصادر استخباراتية أن الموساد ساهم في تحديد الأهداف داخل إيران، من مواقع صواريخ دفاعية إلى شخصيات قيادية، بالتعاون الوثيق مع جيش الاحتلال الإسرائيلي ووحدة استخبارات الجيش "أمان" ووحدة 8200 في جمع المعلومات وتحليلها. 
وفق تقديرات مستقلة نشرتها صحيفة جيروزاليم، الموساد دخل في إيران على نحو لا سابق له، حيث استخدم قاعدة لطائرات مسيرة، وجنود مختبئين، وأسلحة مخفاة قبل الهجوم وهي عملية معقدة تجمع بين الاستخبارات البشرية وتقنيات حديثة مثل الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات. 
كما أشار جهاز الموساد، عبر تصريحات سابقة لمسؤوليه، إلى إمكانية استخدام مجموعات سرية لدعم ضربات عميقة داخل النظام الإيراني وأيضًا شبكات من العملاء المحليين. 
هذه الأدلة تُظهر أن الموساد لا يقتصر دوره على التجميع المعلوماتي فحسب، وإنما يُنفذ عمليات تمهيدية تؤهل المنطقة للضربات العسكرية الرادعة، سواء كانت من الجو أو عبر فريق مختص داخل الأراضي الإيرانية.
الموساد بين العمليات السرّية والظهور الإعلامي
من الملفت في الضربة الحالية أنه لم يصدر تعليق واضح أو إعلان رسمي عن أنشطة الموساد بحجم ما حدث في يونيو 2025، عندما نُشرت وسائل إعلام إسرائيلية مقاطع تشير إلى مشاركته في تدمير مواقع دفاعية وصاروخية. 
هناك عدة أسباب محتملة لهذا التغير:
أولاً: سياق الاستراتيجية المشتركة مع الولايات المتحدة
قد يكون التعاون الوثيق مع واشنطن هو ما دفع إلى إبقاء الدور الموسادي سرياً أكثر من السابق، حتى لا يُقحم الولايات المتحدة في الصدام السياسي الداخلي الأمريكي أو الإيراني في الوقت الراهن. 
ثانياً: تغيير تكتيكات الحرب الاستخبارية
مع تطور أساليب الحرب، أصبحت الأجهزة الاستخباراتية تعتمد أكثر على أنظمة معلومات متكاملة وأدوات تحليل بيانات متقدمة تجعل دورها أقل ظهوراً في الإعلام مقارنة بالأفعال على الأرض.
ثالثاً: حسابات سياسية ودبلوماسية
في بيئة احتدام التوترات الإقليمية، قد يتم إلزام الموساد بتقييد التصريحات حتى لا يتم استغلال ذلك سياسياً لصالح طرفٍ أو آخر.
رابعاً: حماية الشبكات داخل إيران
كلما تعاظم الاختراق، زادت الحاجة إلى التعتيم لحماية العملاء والبنية التحتية السرية.
إذن، صمت الموساد نسبياً لا يعني غيابه؛ بل يعكس إدارة حذرة لدوره في المشهد العسكري والإعلامي. فالموساد لا يقيس نجاحه بكمية البيانات المنشورة، بل بقدرته على الاستمرار داخل "منطقة عدوه" دون كشف.
الموساد والحرب السيبرانية
بعيداً عن العمليات الميدانية، يلعب الموساد دوراً متقدماً في الحرب السيبرانية ضد إيران، بالتكامل مع وحدة 8200.
سبق أن تم اتهام إسرائيل بالمشاركة في تطوير فيروس "Stuxnet" الذي استهدف منشأة نطنز النووية في العقد الماضي، في واحدة من أوائل نماذج الحرب الرقمية ضد برنامج نووي. ورغم عدم الاعتراف الرسمي، اعتبر خبراء الأمن السيبراني تلك العملية نموذجًا لـ "الهجوم السيبراني المدعوم استخباراتياً".
اليوم، يمكن للحرب السيبرانية أن تشمل:
تعطيل أنظمة رادار ودفاع جوي قبيل الضربات.
التشويش على الاتصالات بين القيادات العسكرية.
بث رسائل تضليل أو تسريب معلومات لإرباك القيادة.
هذه الأدوات تمنح الضربة العسكرية غطاء رقمي يضاعف أثرها دون أن يترك بصمة واضحة.


الموساد من التجسّس إلى دعم الانتفاضة

أحد أخطر أوجه الصراع هو الاختراق البشري. وتشير تقارير غربية وإيرانية إلى تفكيك خلايا تجسس داخل إيران خلال السنوات الماضية بشكل عام والشهور الماضية بشكل خاص، بعضها تم اتهامه بالعمل لصالح الموساد.
وفق ما كشفه مسؤولون سابقون، تعتمد آليات التجنيدعلى:
استهداف أفراد لديهم إمكانية وصول لمواقع حساسة.
استغلال عوامل اقتصادية أو سياسية.
ضمان إخراج العميل وعائلته عند الضرورة.
هذا العمق البشري يفسر دقة الاستهداف في اغتيالات علماء نوويين أو قيادات عسكرية خلال السنوات الماضية، ويعزز فرضية أن الضربات الأخيرة استندت إلى معلومات داخلية مباشرة لا إلى رصد خارجي فقط.
وفي وقت سابق، وجّه رئيس الموساد الحالي ديفيد برنياع رسائل علنية إلى الإيرانيين، أكد فيها استمرار العمل داخل إيران. كما تداولت قنوات مرتبطة بالمؤسسة الأمنية رسائل تشجيع للاحتجاجات.
هنا يتجاوز الدور الاستخباراتي الجانب العسكري إلى الحرب النفسية والسياسية:
إضعاف الثقة بالنظام.
تغذية الشكوك داخل النخبة الحاكمة.
تعزيز الانقسامات الداخلية.
في المحصلة، قد لا يظهر اسم الموساد في البيانات العسكرية، وقد لا تُنشر هذه المرة مقاطع دعائية أو تسريبات محسوبة كما حدث في جولات سابقة، لكن طبيعة الضربة نفسها من حيث دقة التوقيت، وتعدد الأهداف، وعنصر المفاجأة توحي ببنية استخباراتية عميقة سبقت لحظة الانفجار بوقت طويل.
الضربات الجوية قد تكون هي المشهد الظاهر، لكن ما سبقها من جمع معلومات، واختراق بشري، وتمهيد سيبراني، وإدارة لحرب نفسية موازية، يشير إلى أن المعركة لم تبدأ صباح 28 فبراير، بل قبل ذلك بأشهر وربما بسنوات.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال «أين كان الموساد؟» أقل أهمية من سؤال آخر أكثر دقة:
إلى أي مدى نجح الموساد في إعادة تشكيل ساحة المواجهة قبل أن تطلق إسرائيل أول صاروخ؟
ففي الحروب الحديثة، لا يكون الجهاز الأخطر هو الأكثر ظهوراً، بل الأكثر قدرة على العمل في الظل… والبقاء هناك.

 

وداد العربي.. كاتبة وباحثة في الشأن الإسرائيلي
 

تم نسخ الرابط