رائد الديب يكتب: «ميناب» الإيرانية.. إسرائيل تصنع بحر البقر جديدة
أي تهديد يمكن أن تمثله طفلة تحمل حقيبة مدرسية؟!.. إنها سطور لا نستدعي فيها التاريخ للبكاء عليه، بل لفضح استمرارية العقلية ذاتها التي ترى في القصف أداة سياسية، وفي دماء الأبرياء وسيلة ضغط..
"دماء على حقائب مدرسية".. أشلاء طفلات تحت الأنقاض.. وصمت دولي يعيد إنتاج المأساة ذاتها بعد أكثر من نصف قرن.. مشهد يتكرر، والمجرم واحد، وعقلية احتلال إسرائيلي لا ترى في الطفولة سوى هدف عسكري مشروع في كل حرب تخوضها..
هذه المرة من مدينة ميناب جنوب إيران، لتتحول مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات إلى ساحة دماء، بعد غارة إسرائيلية مباشرة أوقعت – بحسب الإعلام الإيراني – ما بين 51 و57 قتيلة من طالبات المدرسة، إضافة إلى عشرات المصابات.. لتستمر حتى كتابة هذا المقال فرق الإنقاذ في البحث عن ضحايا أخريات أو مصابات تحت الأنقاض.
أعلنت وزارة التربية والتعليم الإيرانية، وفقا لوكالات "تسنيم" و"إيسنا" و"مهر" الإيرانية بأن المدرسة، التي كانت تضم نحو 170 طالبة في الفترة الصباحية، تعرضت لاستهداف مباشر ضمن عدوان أوسع حمل اسم "زئير الأسد"، طال طهران وأصفهان وقم وكرج وكرمانشاه.. مشهد ليس بجديد في سجل الاعتداءات الإسرائيلية.. مشهد لتكرار مستمر من قبل الكيان لواحدة من أبشع الجرائم في التاريخ العربي الحديث.
من بحر البقر إلى ميناب.. الجريمة تتنقل بالجغرافيا ولا تتغير بالزمن
ففي صباح الثامن من أبريل عام 1970، قصفت طائرات الفانتوم الإسرائيلية مدرسة بحر البقر المشتركة بمحافظة الشرقية في مصر.. ثلاثون طفلا استشهدوا، وخمسون أُصيبوا، والمبنى سوي بالأرض.. ادعت إسرائيل حينها، أنها كانت تستهدف "منشأة عسكرية"، في تبرير فج أثار موجة غضب عالمية، وإن لم يرتق إلى مستوى العقاب السياسي أو القانوني.. واليوم، يتكرر المشهد ذاته في ميناب.. مدرسة ابتدائية للبنات تستهدف بشكل مباشر، وعشرات الطفلات يقتلن تحت أنقاض فصولهن الدراسية، وسط كراريس الرسم، المليئة بصور البراءة وأعلام الوطن.
اختلاف وحيد في عدد الضحايا هذه المرة، لكن أدوات الدمار واحدة، والمنطق واحد، والعدو واحد.. كيان لا يعرف إلا استهداف البراءة أيا كان المكان.. ومن ثم يبرر ويراوغ وينكر جرائمه، متذرعا باستهداف أهداف عسكرية غامضة لا يراها أحد إلا مطلق الصاروخ.
حين تتحول الطفولة إلى ورقة ضغط!!
في بحر البقر، اتهمت مصر إسرائيل بأنها تعمدت استهداف المدرسة للضغط عليها في حرب الاستنزاف.. واليوم، يأتي قصف مدرسة ميناب في سياق عدوان أمريكي إسرائيلي متواصل على إيران، بما يطرح سؤالا خطيرا؛ هل أصبحت المدارس جزءا من بنك الأهداف في العقيدة العسكرية الإسرائيلية؟!..
عندما يقصف مبنى تعليمي في وضح النهار، وتترك حقائب ملطخة بالدماء على الأرض، فإن الحديث لا يعود عن "خطأ عسكري"، بل عن فلسفة ردع تقوم على بث الرعب، ولو كان الثمن طفلات في العاشرة من أعمارهن..
هذا ليس "زئير أسد" بل غدر ضبع ضعيف، صدى لقصف يعرف طريقه جيدا إلى الطفولة.. مشهد تكرر في مصر وغزة وإيران.. مشهد كان ومازال محفورا في عقول أهالي بحر البقر؛ الذين اضطروا إلى نقل الأطفال المصابين على الجرارات الزراعية، بين أكوام الجثث والأطراف المبتورة.. مشهد لن يمحى من الذاكرة.. وها هو المشهد يتكرر في ميناب الإيرانية، بنفس التفاصيل، وبصورة أكثر قسوة.
بين الجريمتين.. نصف قرن من الإفلات من العقاب
ما يجمع بحر البقر وميناب ليس فقط استهداف مدرسة، بل نمط متكرر من الإفلات من المحاسبة.. في الحالتين، سقط الأطفال.. المدرسة هي المدرسة.. الضحايا هم الأطفال.. والعالم يكتفي ببيانات القلق.. لكن هل يتحرك الرأي العام الدولي، أم أن ازدواجية المعايير أصبحت أكثر رسوخا من أن تهتز أمام حقائب مدرسية مضرجة بالدماء؟!..
ما حدث في ميناب ليس حادثا عابرا في حرب عابرة.. إنه فصل جديد من كتاب قديم عنوانه: استهداف الأطفال تحت لافتة الأمن.. فمن بحر البقر إلى ميناب، يمتد خيط الدم نفسه، وتبقى الطفولة الحلقة الأضعف في معادلات القوة.
رائد الديب كاتب صحفي وباحث سياسي