رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

8 رمضان.. معارك وانتصارات قلبت موازين القوة من تبوك إلى قرطبة والأناضول

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم يكن الثامن من رمضان مجرد تاريخ يتكرر في التقويم الهجري، بل كان عبر القرون نقطة انعطاف كبرى في مسار الأحداث السياسية والعسكرية في العالم الإسلامي. 

في هذا اليوم، تقاطعت قرارات القيادة مع تحديات الميدان، وامتزجت الحسابات الاستراتيجية بصخب السيوف، لتتشكل لحظات فاصلة امتدت آثارها من الحجاز إلى قرطبة، ومن خراسان إلى سواحل الشام والأناضول.

هو يوم تكثفت فيه معاني التحرك الاستباقي، والانتصار الحاسم، وإعادة تشكيل موازين القوى، كما شهد لحظات ألم واضطهاد تركت جروحًا في الذاكرة الإسلامية. 

قراءة هذا اليوم تكشف أن رمضان لم يكن زمن عزلة عن الشأن العام، بل شهرًا اتُخذت فيه قرارات مصيرية تحت ضغط التحولات الكبرى.

قبل الفتح الأعظم

في السنة الثامنة للهجرة، وقبل أيام من فتح مكة، اتخذ النبي محمد ﷺ قرارًا عسكريًا دقيقًا بإرسال الصحابي أبا قتادة الأنصاري في سرية إلى بطن إضا. لم يكن الهدف خوض مواجهة مباشرة، بل تنفيذ خطة تمويه تهدف إلى تضليل قريش بشأن الوجهة الحقيقية لتحرك المسلمين.

كانت مكة تعيش حالة ترقب، فيما كانت قريش تسعى إلى جمع المعلومات حول تحركات المدينة. 

هنا برزت أهمية عنصر المفاجأة، الذي تطلب تشتيت الرصد المعادي وإرباك شبكات المتابعة إسناد المهمة إلى أبي قتادة، الذي عاد لتوه من تحرك عسكري في نجد لمواجهة قبائل غضفان، عكس ثقة القيادة في كفاءته وخبرته.

التحرك لم يشهد معركة كبرى، لكنه أسهم في تأمين عنصر المفاجأة الذي كان حاسمًا في دخول مكة دون قتال واسع، ليُسجل الفتح الأعظم بوصفه تحولًا جذريًا أنهى مرحلة الصراع المفتوح مع قريش، ورسّخ نفوذ الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية.

في العام التاسع للهجرة، جاء 8 رمضان متزامنًا مع غزوة تبوك، التي مثلت واحدة من أكبر الحملات العسكرية في العهد النبوي وقعت الحملة في سياق مواجهة محتملة مع الإمبراطورية البيزنطية، القوة العظمى آنذاك في بلاد الشام.

لم تكن تبوك معركة تقليدية ذات اشتباك مباشر، لكنها كانت تحركًا استراتيجيًا واسعًا أظهر قدرة الدولة الإسلامية على الحشد والوصول إلى تخوم الشام في ظروف قاسية عُرفت بعام العسرة.

الحرارة الشديدة وقلة الموارد لم تمنع الجيش من التحرك شمالًا، في رسالة واضحة إلى القوى الإقليمية بأن ميزان الردع بدأ يتغير.

مجرد وصول الجيش الإسلامي إلى تلك المنطقة أعاد حسابات القوى المحيطة، ورسّخ هيبة الدولة في أعين القبائل العربية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوسع السياسي في الشمال.

قرطبة في مواجهة الإمبراطورية الكارولنجية (164 هـ)

بعد أكثر من قرن ونصف على الهجرة، حمل 8 رمضان سنة 164 هـ حدثًا عسكريًا مهمًا في الغرب الإسلامي، حين عاد جيش المسلمين إلى قرطبة منتصرًا بعد مواجهة مع جيش الإمبراطور الفرنجي شارلمان.

كانت الأندلس آنذاك إحدى أبرز مراكز الحضارة الإسلامية سياسيًا وعلميًا، بينما كان شارلمان يسعى لتوسيع نفوذ إمبراطوريته جنوبًا. المواجهة لم تكن مجرد صدام حدودي، بل جزءًا من تنافس أوسع بين قوتين كبيرتين في أوروبا الغربية.

الانتصار عزز موقع الدولة الأموية في الأندلس، وثبّت توازنًا حال دون تمدد كارولنجي واسع في الجنوب، مؤكّدًا أن قرطبة لم تكن هامشًا في الصراع الأوروبي، بل مركزًا قادرًا على فرض معادلاته.

لحظة صعود السلاجقة إلى واجهة التاريخ (431 هـ)

في 8 رمضان سنة 431 هـ، حقق السلطان السلجوقي طغرل بك انتصارًا حاسمًا على الدولة الغزنوية في معركة داندقان، وهو انتصار غيّر ميزان القوى في خراسان والمشرق الإسلامي.

لم يكن الحدث مجرد تقدم عسكري، بل إعلانًا عن بروز السلاجقة كقوة سياسية وعسكرية صاعدة أُجبر الغزنويون على الاعتراف بالأمر الواقع، وبدأت مرحلة توسع سلجوقي امتدت لاحقًا إلى بغداد، حيث أصبح السلاجقة القوة الفعلية الحامية للخلافة العباسية.

شكلت داندقان نقطة تحول انتقل فيها مركز الثقل من الغزنويين إلى السلاجقة، الذين سيؤدون دورًا محوريًا في رسم معادلات المشرق خلال العقود التالية.

في اليوم نفسه من سنة 455 هـ، تولى السلطان السلجوقي ألب أرسلان الحكم بعد وفاة عمه طغرل بك.

لم يكن انتقال السلطة حدثًا إداريًا فحسب، بل بداية مرحلة توسع عسكري لافت. سيخلد ألب أرسلان اسمه لاحقًا في معركة ملاذكرد، التي فتحت أبواب الأناضول أمام الأتراك المسلمين، وأحدثت تحولًا عميقًا في التوازن بين العالم الإسلامي والإمبراطورية البيزنطية.

ارتباط توليه الحكم بيوم 8 رمضان يعكس تكرار حضور هذا التاريخ في مفاصل التحول الكبرى في المشرق الإسلامي.

الظاهر بيبرس وعكا.. مواجهة مفتوحة مع الفرنجة (665 هـ)

في سنة 665 هـ، بدأ السلطان المملوكي الظاهر بيبرس حصار مدينة عكا بعد معلومات عن تسلل مجموعات من الفرنجة ليلًا بزي المسلمين لتنفيذ هجمات مباغتة.

تحرك بيبرس بسرعة، فأرسل سرية خاصة لتعقب المتسللين، ثم فرض حصارًا على المدينة، ملوحًا بإجراءات حاسمة إن لم تمتثل حاميتها كانت عكا من أبرز القواعد الصليبية على الساحل الشامي، وحصارها شكل حلقة مهمة في مسار استعادة المدن الساحلية.

هذا التحرك عكس سياسة مملوكية تعتمد المبادرة والردع الصارم في مواجهة أي تهديد أمني أو عسكري.

صدام النفوذ بين المماليك والعثمانيين (891 هـ)

في 8 رمضان سنة 891 هـ، تكبد العثمانيون هزيمة أمام مماليك السلطان قايتباي.

أُسر عدد كبير من الجنود، وغنم المماليك مدافعهم وأسلحتهم، قبل أن يتقدموا داخل الأناضول ويحاصروا مدينة أضنة.

كان الصراع آنذاك يعكس تنافسًا على النفوذ في شرق المتوسط والأناضول بين قوتين إسلاميتين صاعدتين.
ورغم أن الكفة ستتحول لاحقًا لصالح العثمانيين، فإن هذه الجولة أكدت أن موازين القوى لم تكن محسومة بعد في تلك المرحلة.

تم نسخ الرابط