رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الخامس من رمضان.. زواج أم المساكين وتجسيد دولة التكافل في الإسلام

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم يكن شهر رمضان عبر التاريخ الإسلامي موسمًا للعبادة والسكينة الروحية فحسب، بل شكّل في محطات مفصلية زمنًا حاسمًا اتخذت فيه قرارات كبرى، وتجلّت فيه مواقف صنعت ملامح المجتمع والدولة معًا.
ويبرز الخامس من رمضان بوصفه يومًا تداخلت فيه الروحانية بالفعل الاجتماعي، وتجسدت خلاله قيم التكافل في صورة عملية داخل بيت النبوة.


أم المساكين.. لقب لم تصنعه المصادفة

قبل أن تطرق أبواب بيت النبوة، كانت زينب بنت خزيمة رضي الله عنها اسمًا معروفًا في مجتمع المدينة، ليس بوجاهة نسب أو ثراء مال، بل بسخاء يدٍ امتدت دومًا إلى الفقراء والمحتاجين. لقب «أم المساكين» لم يكن وصفًا عابرًا أطلقه الناس على سبيل المجاملة، بل خلاصة سيرة متصلة بالعطاء، حتى صار اللقب هويةً تغلب على الاسم.

في مجتمع حديث العهد بالهجرة، كانت المدينة تحتضن المهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم في مكة، وتعاني في الوقت ذاته من ضغوط اقتصادية وعسكرية متصاعدة وسط هذه التحديات، برز دور النساء في تثبيت البنية الاجتماعية، وكانت زينب واحدة من تلك النماذج التي جسدت البعد الإنساني العميق في المجتمع الإسلامي.

لقد شكّل عطاؤها نموذجًا مبكرًا لدور المرأة في صناعة التماسك المجتمعي، بعيدًا عن الصخب، وقريبًا من حاجات الناس اليومية.

توقيت دقيق.. زواج في ظل تحديات الدولة

في السنة الرابعة للهجرة، جاء اقتران النبي ﷺ بزينب بنت خزيمة رضي الله عنها في لحظة اجتماعية شديدة الحساسية فقد كانت أرملة لأحد شهداء المسلمين، في وقت كانت فيه الدولة الإسلامية تخوض معارك مصيرية وتودّع عددًا من خيرة رجالها في ميادين القتال.

لم يكن المجتمع آنذاك يواجه فقط خطرًا عسكريًا من الخارج، بل كان مطالبًا أيضًا بالحفاظ على تماسكه الداخلي، وضمان ألا تتحول تضحيات المقاتلين إلى معاناة مستمرة لأسرهم.

من هنا، لم يكن الزواج خطوة شخصية محضة، بل جاء محمّلًا برسالة عملية: أن رعاية أسر الشهداء مسؤولية جماعية، وأن القيادة نفسها في طليعة من يتحمل هذا العبء حين يكون النبي ﷺ أول من يمد يد الرعاية، فإن المبدأ يتحول إلى ثقافة عامة، لا مجرد توصية أخلاقية.

التكافل كمنظومة دولة لا مبادرة فردية

جسّد هذا الزواج مفهومًا متقدمًا للتكافل الاجتماعي. لم يعد الأمر مقتصرًا على صدقات فردية أو مبادرات عابرة، بل أصبح جزءًا من رؤية شاملة لبناء مجتمع متماسك، يشعر فيه كل فرد بأن تضحيته لن تذهب هباءً، وأن أسرته لن تُترك لمواجهة المجهول.

في ظل مجتمع خرج تواً من آثار معارك مثل بدر وأحد، كان الإحساس بالفقد حاضرًا بقوة. أرامل، أيتام، وأسر فقدت عائلها. فجاء هذا الموقف ليعيد الطمأنينة، ويؤكد أن التضحية في سبيل العقيدة لا تعني التفكك الاجتماعي، بل على العكس، تفتح بابًا لمزيد من التضامن.

لقد أعاد الحدث تعريف مفهوم المسؤولية الجماعية، ورسّخ مبدأ أن بناء الدولة لا ينفصل عن بناء شبكات الأمان الاجتماعي داخلها.

بيت النبوة.. مؤسسة تربوية واجتماعية

لم يكن بيت النبي ﷺ بيتًا عاديًا، بل كان مدرسة مفتوحة تتجسد فيها القيم قبل أن تُلقَّن بالكلمات. ومن خلال هذا الزواج، ظهرت صورة القيادة التي لا تكتفي بالتوجيه، بل تمارس القيم عمليًا.

كان بيت النبوة مساحة يتعلم فيها المجتمع معنى العدل، والرحمة، وتحمل المسؤولية. وحين تدخل إليه امرأة عُرفت بإحسانها للفقراء، فإن الرسالة تصبح مزدوجة: تكريم لشخصها، وتعزيز لقيمة العطاء في الوعي الجمعي.

هكذا تحوّل الحدث من واقعة أسرية إلى درس اجتماعي عميق، يعيد ترتيب أولويات المجتمع، ويضع الإنسان – لا الغنيمة ولا النفوذ – في قلب المعادلة.

أشهر قليلة.. وذكرى خالدة

لم تمكث «أم المساكين» طويلًا في بيت النبوة؛ إذ توفيت بعد أشهر قليلة من زواجها، لتكون أول زوجاته ﷺ وفاةً بعد السيدة خديجة رضي الله عنها. كانت المدة قصيرة، لكن أثرها ظل ممتدًا.

فالدلالة لا تُقاس بطول الزمن، بل بعمق الرسالة. لقد بقي لقبها شاهدًا على أن الإحسان يصنع ذاكرة لا تمحوها الأيام، وأن السيرة الصادقة قد تختصر في موقف، لكنها تظل حيّة في وجدان الأمة.

بين روحانية رمضان وبناء المجتمع

يقدم الخامس من رمضان صورة متكاملة لشهر الصيام في التجربة الإسلامية إنه شهر ترتفع فيه القلوب إلى معاني العبادة، لكنه في الوقت ذاته زمن تُتخذ فيه قرارات تعكس جوهر القيم التي يدعو إليها الإسلام.

فزواج النبي ﷺ من زينب بنت خزيمة رضي الله عنها لم يكن تفصيلًا عابرًا في السيرة، بل محطة تكشف كيف امتزج البعد الإيماني بالفعل الاجتماعي، وكيف تحولت الرحمة من قيمة معنوية إلى سياسة عملية في إدارة المجتمع.

 

تم نسخ الرابط