رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

رمضان 512هـ.. العام الذي فقدت فيه الأندلس بوابتها الشمالية

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

كانت مدينة سرقسطة واحدة من أعظم حواضر الإسلام في الأندلس، وواحدة من أبرز المدن التي شهدت حركة الفتح الإسلامي الأولى بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد. 

وقد اشتق العرب اسمها من أصلها الروماني "سيرا أوغسطة"، لتصبح لاحقًا مركزًا حضاريًا وسياسيًا ذا أهمية استراتيجية بالغة، تقع في شمال شرق الأندلس على ما كان يعرف بـ"الثغر الأعلى" على حدود أملاك النصارى في إسبانيا.

وبفضل تحصيناتها القوية، أصبحت المدينة مأوى للعديد ممن حاولوا الاستقلال عن السلطة المركزية في قرطبة، ومن هنا برزت أسرة بني هود التي حكمت سرقسطة في عهد ملوك الطوائف، واتبعت سياسة مهادنة نصارى إسبانيا، مع دفع الأموال الطائلة لتجنب العدوان لكن هذه السياسة الخانعة لم تؤد إلا إلى إثارة طمع ملك النصارى، ألفونسو الأول الملقب بالمحارب، الذي رأى في ضعف المدينة فرصة للسيطرة عليها.

تدخل المرابطين وتأجيل السقوط

شكل دخول المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين نقطة تحول كبرى في تاريخ الأندلس، إذ نجحوا في تأجيل سقوط المدن الإسلامية عدة قرون وقد أبقى يوسف بن تاشفين أسرة بني هود في سرقسطة لتؤدي واجب الدفاع عن الثغر الأعلى، إلا أن الأوضاع الحقيقية داخل المدينة كانت أكثر تعقيدًا مما تصور.

لاحقًا، قام خليفته علي بن يوسف بضم المدينة سنة 503هـ، مدركًا بعد ذلك مدى أهمية موقعها وحجم المخاطر المحدقة بها. وعلى الرغم من الهجوم المبكر من ألفونسو المحارب، استطاعت القوات المرابطية صد المعتدين، واستمرت سرقسطة آمنة حتى سنة 511هـ، حين انشغل ألفونسو بحروب داخلية مع جيرانه القشتاليين.

الحصار الصليبي: ألفونسو يجمع أوروبا ضد سرقسطة

بعد انتهاء حروب ألفونسو الداخلية، اتجه مباشرة نحو حصار سرقسطة في صفر سنة 512هـ، حاملاً طابع الحرب الصليبية الكاملة. فقد أرسل ألفونسو بسفارة إلى بابا روما، طالبًا إعلان حرب صليبية رسمية على المسلمين، وإرسال قوات فرنجية أغلبها من فرنسا للمشاركة في الاستيلاء على المدينة وجاءت أعداد ضخمة من أوروبا لنصرة نصارى إسبانيا، في أجواء حماس ديني متصاعد عقب نجاح الحملة الصليبية الأولى على الشام.

المقاومة الإسلامية داخل المدينة

قاد أهل سرقسطة المقاومة تحت إمرة واليهم عبد الله بن مزدلي، ودخلوا في معارك شرسة مع الصليبيين، محققين انتصارات مؤقتة وكادوا أن يردوا المعتدين على أعقابهم. 

وأرسل علي بن يوسف أخاه الأمير تميم على رأس قوات مرابطية كبيرة لدعم المدينة، لكن الأحداث تسارعت بشكل مأساوي.

توفي والي المدينة عبد الله بن مزدلي بعد مرض سريع، ففقدت سرقسطة قيادتها الصلبة. ومع ذلك، تعززت قبضة الصليبيين على المدينة، وبدأ الأمير تميم يتردد في تنفيذ مهمة النجدة، حتى انسحب إلى بلنسية، تاركًا أهل سرقسطة لمواجهة حصار صليبي ضخم، قبل أن تصل أي قوة مرابطية لدعمهم.

مع اشتداد الحصار، ونفاد الأقوات، وتصاعد اليأس والخوف بين سكان المدينة، لجأ أهل سرقسطة إلى التسليم مقابل الأمن والسلامة لأنفسهم وأموالهم. قام الرهبان والأساقفة بتسخير كنوز الكنائس لشراء الأسلحة والمؤن، لكن ذلك لم يمنع سقوط المدينة.

دخل ألفونسو المحارب سرقسطة يوم الأربعاء 3 رمضان سنة 512هـ، الموافق 18 ديسمبر 1118م، منهياً بذلك تاريخ المدينة كحصن إسلامي وتحويل الجامع الكبير فيها إلى كنيسة كان التقليد المعتمد لإثبات تفوق النصرانية على الإسلام، مؤكدًا بذلك نهاية حقبة حضارية مهمة في تاريخ الأندلس.

سرقسطة بعد السقوط

شكل سقوط سرقسطة ضربة قاسية للإسلام في الأندلس، ليس فقط لأنها كانت قلعة استراتيجية، بل أيضًا لأنها كانت رمزا للاستقلال الحضاري والسياسي للمسلمين في مواجهة الضغوط الصليبية والنصرانية المتزايدة.

وساهم هذا السقوط في تعزيز نفوذ الممالك النصرانية الشمالية، مما مهد الطريق لمرحلة جديدة من الحملات الصليبية الداخلية في شبه الجزيرة الإيبيرية، واضطر المسلمين لإعادة ترتيب دفاعاتهم وإعادة النظر في سياساتهم مع الممالك المسيحية المحيطة.

سقوط سرقسطة هو درسة صارخة في تاريخ الأندلس، عن ضعف القيادة المحلية، وأهمية الوحدة والنجدة المبكرة، وعن طبيعة الحروب الصليبية التي لم تقتصر على الشام فحسب، بل امتدت لتطال ثغور الإسلام في الغرب.

تم نسخ الرابط