تحويل مسجد إلى ثلاجة بطاطس بالمنوفية يشعل غضب الأهالي
في واقعة أثارت حالة من الاستياء والجدل داخل إحدى قرى محافظة المنوفية، فوجئ الأهالي بإغلاق مسجد بالقرية وتحويل جزء كبير منه إلى ثلاجة لتخزين البطاطس، بينما خُصص جزء صغير فقط لأداء الصلاة الواقعة التي شهدتها قرية بهناي التابعة لمركز الباجور، أعادت إلى الواجهة أسئلة شائكة حول طبيعة ملكية المساجد الأهلية، وحدود التصرف فيها، ودور الجهات المعنية في تنظيم العلاقة بين الحق القانوني والمشاعر الدينية للمجتمع المحلي.
الحدث لم يكن مجرد خلاف عابر بين مالك عقار وجيرانه، بل تحوّل إلى قضية رأي عام داخل القرية، امتدت أصداؤها إلى مديرية الأوقاف والجهات التنفيذية، وسط مطالبات بإعادة الوضع إلى ما كان عليه، في مقابل تأكيدات رسمية بأن القانون يمنح المالك حق التصرف في ملكه.
تفاصيل الواقعة
بدأت الأزمة حين فوجئ أهالي قرية بهناي بإغلاق المسجد الذي اعتادوا أداء الصلوات فيه، بعد أن قام مالكه بإقامة بوابة جديدة وإغلاق النوافذ، مع تخصيص مساحة محدودة للصلاة في صورة “زاوية” صغيرة، بينما جرى استغلال المساحة المتبقية في إنشاء ثلاجة لتخزين البطاطس.
الأهالي عبّروا عن استيائهم مما اعتبروه “تغييرًا مفاجئًا لطبيعة المكان”، مؤكدين أن المسجد ظل لسنوات مفتوحًا أمام المصلين لأداء الفروض اليومية، حتى وإن لم تُقم فيه صلاة الجمعة.
وأشار عدد منهم إلى أن وجود المسجد كان يمثل متنفسًا دينيًا لسكان المنطقة، خاصة كبار السن الذين يجدون صعوبة في التوجه إلى مساجد بعيدة.
ويؤكد بعض سكان القرية أن التعديلات التي أجريت على المبنى شملت إغلاق فتحات تهوية ونوافذ، وهو ما أثار مخاوف لديهم بشأن اشتراطات السلامة والتهوية، خاصة مع تحويل جزء من المكان إلى نشاط تجاري لتخزين محصول زراعي.
ملكية خاصة أم مرفق ديني؟
مصدر بمديرية الأوقاف بمحافظة المنوفية أوضح أن المسجد محل الجدل ليس تابعًا رسميًا لوزارة الأوقاف، ولا تُقام به صلاة الجمعة، وإنما تُؤدى فيه الصلوات المفروضة فقط، مشيرًا إلى أنه يُصنف ضمن المساجد الأهلية الخاضعة لإشراف الأوقاف من الناحية الدعوية، لكنه من حيث الملكية يُعد ملكًا خاصًا لصاحبه.
وأوضح المصدر أن القانون يمنح مالك العقار حق التصرف في ملكيته الخاصة، طالما لم يخالف اشتراطات البناء أو السلامة العامة، مؤكدًا أن الوزارة لا تملك سلطة مصادرة أو منع المالك من استخدام ملكه، ما دام لا يخضع لولاية كاملة من الأوقاف.
هذا التوضيح فتح بابًا واسعًا للنقاش داخل القرية، بين من يرى أن المسجد حتى لو كان أهليًا يحمل صفة دينية تمنع تغييره، ومن يتمسك بالنص القانوني الذي يفرق بين المسجد الوقفي والمسجد الأهلي
تحرك أمني وفحص للتراخيص
على خلفية الشكوى التي تقدم بها عدد من الأهالي، انتقلت قوة من مركز شرطة الباجور إلى موقع المسجد لمعاينة الوضع على أرض الواقع، وفحص ما إذا كانت التعديلات التي أُجريت على المبنى تتوافق مع التراخيص الصادرة له.
مصدر بمركز الباجور أكد أن الجهات المختصة ستقوم بمراجعة تراخيص البناء والأنشطة المصرح بها، إلى جانب التأكد من استيفاء اشتراطات السلامة والاحتياطات اللازمة، خاصة في ما يتعلق بإغلاق النوافذ وإقامة بوابة جديدة.
كما أشار إلى أنه في حال ثبوت وجود مخالفات تتعلق بتغيير النشاط أو الإخلال باشتراطات البناء، سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك إعادة فتح النوافذ التي أُغلقت بالمخالفة للتصاريح.
تسلط الواقعة الضوء على إشكالية متكررة تتعلق بالمساجد الأهلية في القرى والنجوع، حيث يُبنى بعضها بجهود فردية أو تبرعات محلية، دون أن تُضم رسميًا إلى وزارة الأوقاف كمساجد وقفية.
في هذه الحالات، يظل المبنى من الناحية القانونية ملكًا خاصًا، بينما يكتسب من الناحية المجتمعية صفة عامة باعتباره مكانًا للعبادة. هذا التداخل بين الملكية الفردية والاستخدام الديني الجماعي يخلق أحيانًا صدامًا بين النصوص القانونية ومشاعر الأهالي.
ويرى قانونيون أن حسم مثل هذه النزاعات يتطلب الرجوع إلى مستندات الملكية، وشروط الترخيص، وما إذا كان المبنى قد تم تسجيله كمسجد رسمي أو لا. فإذا لم يكن مسجلًا كوقف أو تابعًا للأوقاف، فإن سلطة التصرف تبقى للمالك، مع ضرورة الالتزام بالقوانين المنظمة للبناء والأنشطة.
بين حق المالك ومشاعر القرية
في قرية صغيرة مثل بهناي، لا يُنظر إلى المسجد باعتباره مجرد مبنى، بل كجزء من النسيج الاجتماعي والروحي لذلك جاء رد الفعل الشعبي غاضبًا، إذ اعتبر البعض أن تحويل معظم مساحة المسجد إلى نشاط تجاري يمس قدسية المكان، حتى لو أبقى المالك على زاوية صغيرة للصلاة.
في المقابل، يرى آخرون أن المسألة يجب أن تُحسم بالقانون، وأن المشاعر وحدها لا تكفي لفرض قيود على ملكية خاصة، ما دام النشاط الجديد لا يخالف القوانين المنظمة.
انتظار الحسم
حتى الآن، يبقى الموقف مرهونًا بنتائج فحص التراخيص والإجراءات التي ستتخذها الجهات المعنية وبينما يترقب الأهالي قرارًا يعيد فتح المسجد بكامل مساحته، يتمسك المالك بحقه القانوني في استغلال ملكيته.