رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

زيارة أردوغان إلى القاهرة.. تقارب يتجاوز البروتوكول ويعيد رسم خريطة التوازن الإقليمي

أرشيفية
أرشيفية

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتشابك فيها الأزمات من غزة إلى البحر الأحمر، مرورًا بليبيا والسودان وشرق المتوسط، جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة لتكسر نمطًا طويلًا من الجمود، وتفتح بابًا واسعًا للتأويلات السياسية والاستراتيجية لم تكن الزيارة مجرد حدث بروتوكولي عابر أو استكمال لمسار تطبيع تقليدي، بل بدت كخطوة محسوبة بدقة في توقيت بالغ الحساسية، يعكس إدراكًا متبادلًا لدى القاهرة وأنقرة بأن المنطقة تقف على أعتاب تحولات كبرى لا تحتمل استمرار القطيعة أو إدارة الخلافات بالمنطق القديم.

فالشرق الأوسط اليوم ليس كما كان قبل سنوات قليلة؛ خرائط النفوذ تتغير، والتحالفات التقليدية تتآكل، فيما تفرض الحروب المفتوحة والصراعات الممتدة واقعًا جديدًا على القوى الإقليمية الكبرى، يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها والبحث عن مساحات مشتركة، حتى مع خصوم الأمس.

قراءة استراتيجية

في هذا السياق، يرى اللواء نبيل السيد، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن زيارة أردوغان إلى مصر تمثل ذروة مسار طويل من التحولات الهادئة في العلاقات الثنائية، بدأت منذ سنوات بجهود خفض التوتر، وصولًا إلى مرحلة إعادة بناء الثقة على أساس المصالح لا الشعارات.

ويؤكد أن ما نشهده اليوم هو انتقال واضح من مرحلة الصدام الأيديولوجي إلى مرحلة الواقعية السياسية، حيث باتت الحسابات الاستراتيجية والأمن القومي تتقدم على أي اعتبارات أخرى.

فالقاهرة وأنقرة، بحسب وصفه، “أدركتا أن كلفة الخلاف أصبحت أعلى من كلفة التفاهم، وأن الإصرار على القطيعة يفتح المجال لقوى أخرى لإعادة تشكيل المنطقة على حساب مصالح الدول الكبرى فيها”.

ويضيف أن القيادتين السياسيتين في البلدين تعاملتا مع هذا التحول ببراغماتية واضحة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، ما سمح بتهيئة الأرضية لهذه الزيارة التي تحمل دلالات أعمق من مجرد تبادل للزيارات.

غزة في قلب التقارب

لا يمكن فصل توقيت الزيارة عن التطورات المتسارعة في قطاع غزة، حيث تمثل الحرب الدائرة هناك عاملًا ضاغطًا على جميع الفاعلين الإقليميين. 

ويضع اللواء نبيل السيد الملف الفلسطيني في صدارة دوافع التقارب المصري–التركي، معتبرًا أن القاهرة وأنقرة تمتلكان من أدوات التأثير ما يجعلهما لاعبين رئيسيين في أي مسار لاحتواء الأزمة.

فمصر، بحكم الجغرافيا والدور التاريخي، تعد محورًا أساسيًا في ملف التهدئة وإدخال المساعدات الإنسانية، بينما تحتفظ تركيا بعلاقات مع أطراف فاعلة داخل المشهد الفلسطيني، إضافة إلى ثقلها السياسي والدبلوماسي على الساحة الدولية. 

ويشير الخبير الاستراتيجي إلى أن التنسيق بين الطرفين قد يسهم في بلورة مقاربات جديدة لوقف التصعيد، أو على الأقل الحد من تداعياته الإنسانية والسياسية.

ويرى أن هذا التقارب يعكس إدراكًا مشتركًا بأن استقرار شرق المتوسط يبدأ من احتواء الانفجار الفلسطيني، وأن ترك الأزمة تتفاقم دون تنسيق إقليمي حقيقي سيقود إلى تداعيات أمنية تتجاوز حدود غزة.

ليبيا والسودان

على مدى سنوات، كانت ليبيا واحدة من أبرز ساحات التنافس بين مصر وتركيا، لكن المشهد اليوم يبدو مختلفًا فاللواء نبيل السيد يؤكد أن الطرفين توصلا، ولو بشكل غير معلن، إلى قناعة مفادها أن استمرار الصراع في ليبيا يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي لكليهما.

ويشير إلى أن التنافس الحاد تحوّل تدريجيًا إلى نوع من “إدارة التوازن”، حيث يسعى كل طرف إلى حماية مصالحه دون الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة أو دعم مسارات الفوضى. 

ويضيف أن استقرار ليبيا لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة أمنية تفرضها التهديدات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى الهجرة غير الشرعية.

أما في السودان، فيرى الخبير الاستراتيجي أن القاهرة وأنقرة تتشاركان القلق ذاته من تداعيات الحرب المستمرة هناك، خصوصًا في ظل المخاطر التي تهدد وحدة الدولة السودانية وأمن البحر الأحمر. 

ويؤكد أن هناك فرصًا حقيقية لتنسيق الجهود لدعم مسار سياسي يوقف الانهيار، ويمنع تحول السودان إلى بؤرة فوضى إقليمية جديدة.

التعاون العسكري

من أبرز الإشارات اللافتة في مسار التقارب الحديث، الحديث المتزايد عن إمكانات تطوير التعاون العسكري بين البلدين. 

ويؤكد اللواء نبيل السيد أن أي تقارب في هذا المجال لا يتم إلا بعد تقييمات أمنية دقيقة وحسابات استراتيجية معقدة.

ويشير إلى أن مناقشة ملفات مثل الصناعات الدفاعية أو تبادل الخبرات العسكرية تعكس مستوى جديدًا من الثقة، وتدل على تجاوز مرحلة الشك والحذر المتبادل. 

لكنه يوضح في الوقت ذاته أن هذا التعاون لا يستهدف تشكيل تحالف عسكري أو محور صدامي، بل يندرج في إطار تعزيز الاستقرار الإقليمي وبناء قدرات ردع تمنع الانزلاق إلى صراعات أوسع.

الاقتصاد كرافعة للتقارب السياسي

بعيدًا عن السياسة والأمن، يبرز الاقتصاد كأحد الأعمدة الأساسية لهذا التقارب فاللواء نبيل السيد يرى أن العلاقات التجارية بين مصر وتركيا تمثل الضمان الحقيقي لاستدامة أي تقارب سياسي، إذ تخلق مصالح متشابكة يصعب التفريط فيها.

ويشير إلى أن تركيا تنظر إلى مصر بوصفها بوابة استراتيجية للأسواق الإفريقية والعربية، بينما ترى القاهرة في أنقرة شريكًا صناعيًا وتكنولوجيًا مهمًا، يمكن أن يسهم في دعم التنمية ونقل الخبرات. 

ويضيف أن زيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة يعزز من منطق الشراكة بدلًا من المنافسة، ويقلل من فرص العودة إلى التوتر.

رسائل تتجاوز القاهرة وأنقرة

لا تقتصر دلالات الزيارة على العلاقات الثنائية فقط، بل تمتد إلى المشهد الإقليمي الأوسع. 

ويؤكد اللواء نبيل السيد أن تحسن العلاقات بين مصر وتركيا يعيد رسم خريطة التحالفات في شرق المتوسط، ويحد من حدة الاستقطاب التي سادت خلال العقد الماضي.

ويشير إلى أن هذا التقارب يبعث برسائل واضحة إلى عواصم إقليمية ودولية مفادها أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من إدارة الخلافات، تقوم على التفاهمات المرنة بدلًا من صراعات المحاور الصلبة.

كما يمنح البلدين مساحة أوسع للعب أدوار الوساطة وصناعة التوازن، بدلًا من الانخراط في مواجهات مفتوحة تستنزف الموارد وتزيد من هشاشة الإقليم.

تم نسخ الرابط