أب يهدم بيت ابنته باللودر في سوهاج.. سلطة عائلية أم جريمة؟
في قرية صديق المنشاوي التابعة لعرب الصبحة، بدائرة مركز دار السلام جنوب محافظة سوهاج، لم يكن صباح ذلك اليوم عاديًا لودر ثقيل يقتحم سكون القرية، وجدران منزل تتهاوى أمام أعين امرأة في العقد الرابع من عمرها وثلاث فتيات صغيرات، ليبدأ فصل جديد من أزمة أسرية تحولت سريعًا إلى قضية رأي عام، تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية والقانونية والاجتماعية.
منال كمال، مطلقة منذ عامين وأم لثلاث بنات، وجدت نفسها فجأة بلا مأوى، بعد أن أقدم والدها على هدم منزلها الوحيد باستخدام لودر، في واقعة أثارت جدلًا واسعًا، خاصة مع إصرارها لاحقًا على رفض تدخل أي أطراف خارجية، مؤكدة أن ما جرى «خلاف أسري لا أكثر».
استغاثة أم بلا سند: «ده بيتي الوحيد»
أكدت منال كمال أن المنزل الذي جرى هدمه هو مسكنها الوحيد، وكانت تقيم فيه مع بناتها الثلاث، بعد انفصالها عن زوجها قبل عامين.
تقول إن والدها أقدم على هدم البيت رغم علمه الكامل بعدم امتلاكها لأي بديل آخر، ورغم إدراكه أن بناتها لا يملكن مكانًا يلجأن إليه.
بحسب روايتها، فإن الخلاف لم يكن وليد اللحظة، بل جاء على خلفية إصرار والدها على إجبارها على التنازل عن المنزل، وهو ما رفضته، معتبرة أن البيت حق أصيل لها اشترته بجهدها وعرقها، وليس منحة أو ملكية متنازعًا عليها.
«شغلي هو كل حاجة».. امرأة تعيل ثلاث فتيات وحدها
تؤكد منال أنها تعتمد على نفسها بشكل كامل في إعالة بناتها، موضحة أن مصدر دخلها الوحيد هو عملها في مجال التسويق العقاري بإحدى القرى المجاورة.
تقول إنها لم تحصل منذ طلاقها على أي نفقة أو دعم مادي، سواء من طليقها أو من أي جهة أخرى، ما جعل المنزل الذي اشترته يمثل لها ولأطفالها خط الأمان الوحيد.
وتضيف أن هدم المنزل لم يكن مجرد اعتداء على جدران وأسقف، بل كان ضربة مباشرة لاستقرارها النفسي والاجتماعي، خاصة في ظل غياب أي شبكة دعم أو حماية.
بعد الهدم.. تشرد بلا بديل وظروف إنسانية قاسية
تصف منال اللحظات التي أعقبت الهدم بأنها الأصعب في حياتها، فقد اضطرت إلى مغادرة المكان فورًا برفقة بناتها الثلاث، دون وجود مكان بديل للإقامة.
تقول إنها وجدت نفسها فجأة في مواجهة واقع قاسٍ، بلا مأوى ولا ضمانات، وسط مخاوف على مستقبل بناتها وسلامتهن النفسية.
وطالبت الجهات المعنية بالتدخل لتوفير الحماية اللازمة لها ولبناتها، وضمان حقها في السكن الآمن والحياة الكريمة، مؤكدة أن ما تطلبه ليس أكثر من تطبيق القانون وحمايتها من أي اعتداء.
الرواية الأمنية: خلافات أسرية وضبط المتهم واللودر
من جانبها، كشفت الأجهزة الأمنية تفاصيل الواقعة، موضحة أنه بالفحص تبين عدم ورود بلاغات رسمية مسبقة بشأن الهدم. وبسؤال منال كمال، المقيمة بدائرة مركز شرطة دار السلام، أقرت بقيام والدها بهدم المنزل باستخدام لودر، على خلفية خلافات أسرية بينهما.
وأفادت التحريات بأن الأجهزة الأمنية تمكنت من ضبط المشكو في حقه، وهو مزارع يقيم بذات الدائرة، كما تم ضبط اللودر المستخدم في الواقعة، وتبين أنه غير مرخص وبدون لوحات معدنية.
اعتراف الأب: «مش عايزها تعيش لوحدها»
بمواجهة الأب بما أسفرت عنه التحريات، أقر بارتكابه الواقعة، مبررًا فعلته برفضه إقامة ابنته بمفردها، ورغبته في إقامتها معه. وهو تبرير يعكس، وفق مراقبين، تصادمًا واضحًا بين مفاهيم السيطرة الأبوية التقليدية وحقوق المرأة القانونية والإنسانية، خاصة حين تكون امرأة بالغة، مستقلة، وأمًا مسؤولة عن أطفال.
وتم التحفظ على المركبة المستخدمة في الهدم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مع عرض الواقعة على جهات التحقيق المختصة للفصل في ملابساتها.
«ماحدش يتدخل».. موقف مثير للجدل من صاحبة الأزمة
رغم تصاعد القضية وتدخل الأجهزة الأمنية، فاجأت منال الرأي العام بتصريحات أكدت فيها رفضها تدخل أي أطراف خارجية في أزمتها.
شددت على أن ما حدث يندرج في إطار خلاف أسري بينها وبين والدها، ولا ترغب في تصعيده أو الزج بأي أطراف أخرى.
وقالت بوضوح: «أنا ما هاجمتش حد، واللي حصل شأن أسري بيني وبين أبويا فقط، وبرفض أي طرف خارجي يدخل في القصة دي»، وهو موقف أثار تساؤلات واسعة حول الضغوط الاجتماعية والنفسية التي قد تدفع ضحية محتملة إلى التراجع عن طلب الدعم أو الحماية.
بين القانون والعُرف.. أين تقف حقوق المرأة؟
تفتح واقعة سوهاج بابًا واسعًا للنقاش حول حدود السلطة الأبوية، وحقوق المرأة في السكن الآمن، خاصة في المجتمعات الريفية، حيث تتداخل الأعراف الاجتماعية مع النصوص القانونية، فالقانون يجرم التعدي على الممتلكات الخاصة، ويكفل الحق في السكن، بينما تفرض بعض الأعراف قيودًا غير مكتوبة على استقلال المرأة، حتى بعد زواجها أو طلاقها.