مصر وتركيا.. شراكة استراتيجية تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتشابك فيه الحروب المفتوحة مع مشاريع التفكيك، وتتصاعد خلاله محاولات إضعاف الدول الوطنية لصالح الفوضى والميليشيات، تعود العلاقات المصرية التركية إلى الواجهة بوصفها أحد أهم محاور إعادة التوازن في الشرق الأوسط. فالتقارب المتسارع بين القاهرة وأنقرة لا يمكن قراءته باعتباره تحسنًا ثنائيًا فحسب، بل باعتباره شراكة استراتيجية تحمل أبعادًا تتجاوز حدود الدولتين لتطال مجمل الإقليم.
على ضفتي البحر المتوسط، تلتقي مصر وتركيا عند مفترق مصالح حيوية، تتقاطع فيها الرؤية السياسية مع الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، في محاولة لإعادة صياغة منطق إدارة الأزمات الإقليمية، استنادًا إلى مبادئ حماية الدولة الوطنية، ورفض مشاريع التقسيم، وتغليب التنسيق بين القوى الإقليمية الكبرى بدلًا من الصدام والصراع.
هذا التقارب، الذي جاء بعد سنوات من التباعد، يعكس إدراكًا متبادلًا بأن استمرار الخلافات لم يعد يخدم مصالح أي من الطرفين، في ظل إقليم يموج بالتحولات، ويشهد إعادة تشكيل شاملة لموازين القوة والنفوذ.
القضية الفلسطينية في صدارة التفاهمات
تحتل القضية الفلسطينية موقع الصدارة في مسار التفاهم المصري التركي، حيث يتطابق موقف القاهرة وأنقرة في الرفض القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، أو تصفية القضية عبر حلول قسرية تتجاوز الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
وتؤكد الدولتان أن حل الدولتين يظل الإطار الوحيد القادر على إنهاء الصراع الممتد منذ عقود، ووقف دوامة العنف المتكررة، وضمان حد أدنى من الاستقرار في المنطقة وترى القاهرة وأنقرة أن أي تجاهل لهذا المسار لن يؤدي سوى إلى تعميق حالة الاحتقان، وفتح المجال أمام مزيد من التطرف وعدم الاستقرار، بما ينعكس سلبًا على أمن الإقليم بأكمله.
كما يتكامل الدور المصري، بما له من ثقل تاريخي وجغرافي في الملف الفلسطيني، مع الحضور التركي الداعم سياسيًا وإنسانيًا، في محاولة لتشكيل جبهة إقليمية ضاغطة تفرض حلًا عادلًا وشاملًا.
السودان.. وحدة الدولة خط أحمر
في الملف السوداني، تتلاقى الرؤى المصرية والتركية عند أولوية الحفاظ على وحدة الدولة السودانية، ورفض أي سيناريوهات تهدف إلى تفكيك البلاد أو تقسيمها على أسس عرقية أو جغرافية.
وتؤكد القاهرة وأنقرة دعمهما الكامل لمؤسسات الدولة السودانية، وعلى رأسها الجيش، باعتباره العمود الفقري للحفاظ على كيان الدولة ومنع انزلاقها إلى مصير الدول المنهارة.
ويرفض الطرفان بشكل قاطع وجود أي جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، وفي مقدمتها قوات الدعم السريع، معتبرين أن استمرار هذه الكيانات يمثل تهديدًا مباشرًا لوحدة السودان واستقراره، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية تعمّق الأزمة بدلًا من حلها.
لبنان.. أولوية السيادة
أما في لبنان، فيعكس التنسيق المصري التركي رؤية مشتركة تقوم على أولوية الدولة وسيادتها، وضرورة بسط سلطتها الكاملة على أراضيها، ولا سيما في الجنوب اللبناني.
وترى القاهرة وأنقرة أن الجيش اللبناني يجب أن يكون الجهة الوحيدة الحاملة للسلاح، باعتباره الضامن الوحيد لوحدة القرار الأمني والسياسي.
ويحذر الطرفان من أن استمرار حالة ازدواجية السلاح والقرار يشكل تهديدًا دائمًا للاستقرار الداخلي، ويحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية بالوكالة، بما يقوض فرص التعافي السياسي والاقتصادي في بلد يرزح أصلًا تحت أزمات خانقة.
سوريا.. وحدة الأراضي
في الملف السوري، يبرز تطابق الرؤى المصرية التركية حول أهمية الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، في مرحلة شديدة الحساسية أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، وما ترتب عليه من فراغ سياسي وأمني واسع.
وتؤكد القاهرة وأنقرة أن تجاوز آثار الحرب لا يمكن أن يتحقق إلا عبر عملية سياسية شاملة، تشارك فيها جميع مكونات الشعب السوري دون إقصاء، بما يضمن وحدة الأراضي السورية، ويحول دون إعادة إنتاج الفوضى أو الانزلاق نحو مشاريع التقسيم تحت أي مسمى.
هذا الموقف يعكس تحولًا مهمًا في مقاربة أنقرة للملف السوري، وتلاقيًا مع الرؤية المصرية التي طالما شددت على أولوية الدولة الوطنية كركيزة للاستقرار.
ليبيا.. تقارب يعيد ترتيب المشهد
في ليبيا، يمثل التقارب المصري التركي تحولًا مفصليًا في مسار الأزمة، بعد سنوات من التباين الحاد في المواقف.
إذ يتفق الطرفان اليوم على ضرورة توحيد الشرق والغرب الليبي تحت حكومة واحدة، وجيش وطني واحد، وبرلمان موحد، باعتبار ذلك المدخل الوحيد لإنهاء حالة الانقسام التي أنهكت الدولة الليبية.
ويعطي الجانبان أولوية قصوى لخفض التصعيد، ووقف التدخلات الخارجية، وتهيئة الأجواء لحل سياسي مستدام يعيد لليبيا دورها الطبيعي في محيطها الإقليمي.
الصومال.. رفض قاطع لأي مساس بوحدة البلاد
ويمتد التنسيق المصري التركي ليشمل الملف الصومالي، حيث أعلنت القاهرة وأنقرة رفضهما القاطع لأي محاولات لتقسيم الصومال أو المساس بوحدته وسيادته. ويؤكد البلدان دعمهما الكامل لوحدة وسلامة الأراضي الصومالية، اتساقًا مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
كما يشدد الطرفان على رفض أي إجراءات أحادية من شأنها تقويض أسس الاستقرار في البلاد، أو فتح الباب أمام صراعات جديدة في منطقة القرن الإفريقي شديدة الحساسية.
غاز شرق المتوسط.. تعاون يعيد رسم معادلات الطاقة
ويكتسب ملف غاز شرق المتوسط أهمية خاصة في مسار العلاقات المصرية التركية، حيث يتجه الطرفان نحو فتح آفاق جديدة للتعاون المشترك، عبر التفاهم بشأن ترسيم الحدود البحرية، وتعزيز الشراكات في مجالات استخراج ونقل الغاز.
ويهدف هذا التعاون إلى خدمة أمن الطاقة الإقليمي، وتعزيز مكانة القاهرة وأنقرة كمحورين أساسيين في معادلة الطاقة بشرق المتوسط، بما يحد من التوترات السابقة، ويفتح المجال أمام شراكات اقتصادية استراتيجية طويلة الأمد.
شراكة تتجاوز الثنائي إلى الإقليمي
في المحصلة، لا يمكن قراءة التعاون المصري التركي بمعزل عن السياق الإقليمي المتفجر. ففي وقت يواصل فيه الشرق الأوسط انزلاقه بين الحرب والانقسام، تبدو القاهرة وأنقرة أمام مسؤولية تاريخية لتحويل هذا التفاهم إلى قوة استقرار حقيقية، قادرة على كبح الفوضى، وفرض منطق الدولة، وإعادة رسم أفق إقليمي أكثر توازنًا وأقل قابلية للانهيار.