رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

إنجي بدوي تكتب: أساطير توراتية على أرض فلسطينية

تفصيلة

لم يعد الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية مجرد مشروع توسع جغرافي أو سياسة أمنية كما تحاول الحكومات الإسرائيلية تقديمه للعالم، بل أصبح في جوهره مشروع قائم على توظيف الرواية الدينية والأسطورة التاريخية لإضفاء شرعية مقدسة على السيطرة والاحتلال، فإسرائيل لا تكتفي ببناء المستوطنات على الأرض، بل تعمل على بناء سردية كاملة تجعل من هذا الوجود الاستعماري امتداد طبيعي لتاريخ مزعوم وحق ديني مفترض.

منذ عقود، تدرك الحركة الصهيونية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتثبيت مشروعها، لذلك تم ربط الدين بالسياسية، واستخدام روايات توراتية لتبرير جرائم الاستيطان وربط المستوطن بالمكان باعتباره "واجب ديني مقدس"، ومن هنا بدء الصراع في التحول من احتلال أرض إلي نزاع ديني يتم فيه تزوير الحقائق ووضع أكاذيب من تأليف وإخراج بني صهيون.

يعد ما يسمى بـ قبر يوسف في نابلس نموذجًا واضحًا لهذا التوظيف، مؤخراً أقتحم المستوطنين هذا القبر في زيارة دينية، تحت حماية جيش الاحتلال، وقدم إعلاميًا بأنه مكانًا مقدسًا لليهود، ولهم الحق في اقتحام مدينة نابلس لقيام الصلاة والطقوس التوراتية، بالرغم من غياب أي دليل تاريخي أو ديني قاطع يثبت أنه مقام النبي يوسف عليه السلام.
الأخطر أن هذه الاقتحامات ليست مجرد زيارات دينية، بل أدوات سياسية وأمنية تهدف إلى فرض وجود استيطاني داخل مدينة فلسطينية، بجانب خلق مبرر دائم لتدخل الجيش وهي "حماية المستوطنين" وتحويل نابلس إلى مساحة مفتوحة للاقتحام والسيطرة وبدء تنفيذ مشروع التهويد في الضفة الغربية.

أما القدس، فهي المشروع الصهيوني الأكبر في توظيف الدين، فالمدينة ليست فقط محتلة، بل تتعرض إلي إعادة تشكيل هويتها، يوميًا اقتحامات مستفزة من المستوطنين المتطرفين لـ المسجد الأقصى، حفريات أسفل البلدة القديمة تحت ذريعة البحث عن الهيكل، وبذلك تصبح القدس ساحة لصراع الهوية والوجود، حيث تستخدم إسرائيل الأسطورة الدينية لتبرير محو التاريخ الفلسطيني.

ومن بين الأساطير، زعم موقع عبري وجود رماد ناتج عن حريق الهيكل في القدس خلال فترة الهيكل الثاني، وأن هذا الرماد في حالة ممتازة لأنه لم يتعرض لأشعة الشمس، وذلك بحسب ادعاء مؤسسة تراث حائط المبكى.

تستند إسرائيل في هذا النهج إلى استراتيجية مدروسة تهدف إلى تصنيع إحساس مصطنع بالانتماء لدى المستوطن للأرض الفلسطينية، بحيث يتحول من مجرد وجود بشري إلى أداة وظيفية داخل المشروع الاستيطاني؛ فالمستوطن لا يقدم بوصفه فردًا عاديًا، بل كحجة تُسخرها إسرائيل لترويج سرديتها الملفّقة وإضفاء شرعية زائفة على احتلالها، ومن خلال المزج بين الخطاب الديني والقومي، تعمل على شحن المجتمع الإسرائيلي داخليًا وفرض وقائع ميدانية جديدة تجعل أي تراجع سياسي مستقبلي شديد الكلفة، إن لم يكن مستحيلًا.

ما تمارسه إسرائيل يتجاوز مفهوم الاستيطان العسكري التقليدي، ليصل إلى مستوى استعمار سردي شامل، تُعاد فيه صياغة الوعي عبر توظيف الأسطورة كقناع، والدين كأداة سياسية، والمقدسات كوسائل إحكام للسيطرة، فمن مقام النبي يوسف وصولًا إلى القدس، تتكشف حقيقة القداسة التي تروج لها إسرائيل باعتبارها قداسة مُسيّسة، تُوظف ضمن مشروع استيطاني غايته النهائية السيطرة على الأرض، وإعادة هندسة التاريخ، وطمس الهوية الأصلية للمكان.

..

إنجي بدوي باحثة في الشأن الإسرائيلي 

تم نسخ الرابط