رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

علاء خليفة يكتب: إبستين وازدواجية القيم

الكاتب الصحفي علاء
الكاتب الصحفي علاء خليفة

لم تكن تسريبات جيفري إبستين مجرد فضيحة جنسية عابرة، بل مثلت زلزالًا أخلاقيًا ضرب في عمق منظومة طالما قدّمت نفسها للعالم باعتبارها حارسة القيم والمرجعية العليا لحقوق الإنسان والحريات.

فمع توالي الوثائق والشهادات، انكشفت شبكة واسعة من الانتهاكات الجسدية والاستغلال المنهجي للأطفال، تورطت فيها شخصيات نافذة من عالم السياسة والمال والفن، دون أن يقابل ذلك غضب أخلاقي حقيقي بحجم الجريمة، أو محاسبة تتناسب مع فداحة ما كُشف.

تُظهر هذه القضية بوضوح كيف تُحارَب الأخلاقيات الإسلامية كلما طُرحت باعتبارها نموذجًا يحمي الإنسان ويضع حدودًا للغريزة، بينما تُبرَّر في المقابل منظومات كاملة تقوم على تسليع الجسد وتحويل المرأة والطفل إلى أدوات استهلاك.

قيم الستر والانضباط الأخلاقي تُقدَّم في الخطاب الغربي بوصفها "قمعًا ورجعية"، لا لأنها تنتهك حقوق الإنسان، بل لأنها تتعارض مع أنماط حياة واقتصادات قائمة على الإثارة والطلب المفتوح.

في المجتمعات الإسلامية، تنطلق الأخلاق من مرجعية عقدية تُعلي من قيمة الإنسان، وتتعامل مع الجسد باعتباره أمانة لا سلعة، وتضع ضوابط صارمة لحماية النفس والعقل والنسل؛ وعلى النقيض، ترفع مجتمعات أخرى شعارات الحرية المطلقة، لكنها عمليًا لا تحمي سوى حرية الأقوياء، بينما تُسحق حقوق الضعفاء بعيدًا عن الأضواء.

كشفت قضية إبستين أن خطاب حقوق الإنسان في الغرب ليس التزامًا أخلاقيًا ثابتًا، بل أداة انتقائية تُستخدم حين يكون المتهم خارج المنظومة، وتُعلّق حين يكون من داخلها، فقد تحولت الجرائم إلى "ملف معقد"، والجناة إلى "حالات تحتاج دراسة"، وغابت أسماء كثيرة خلف ستار القانون والإعلام، بينما تراجع الغضب، وتحوّل المشهد إلى صمت ثقيل لا يليق بحجم الانتهاكات ولا بعدد الضحايا.

هذا الصمت لم يكن عجزًا، بل خيارًا، يؤكد أن المنظومة تحمي نفسها أولًا، ولو كان الثمن طفولة مسروقة وأجسادًا منتهكة.

المفارقة الصادمة أن المجتمعات ذاتها تُظهر فزعًا أخلاقيًا مبالغًا فيه حين ترى طفلة مسلمة تقرأ كتابًا في هدوء وهي منتقبة؛ هنا فقط تُستدعى حقوق الطفل، وتُرفع شعارات تحرير المرأة، ويُصوَّر الستر باعتباره خطرًا على الحضارة.

لم تُحرّك ضمائرهم شبكات الإتجار بالأطفال، ولا طائرات خاصة تنقل الضحايا كأنهم بضائع، لكنهم ارتعبوا من طفلة اختارت ألا تكون معروضة في سوق المتعة، وألا تخضع لشروط النموذج الاستهلاكي الذي يُقدَّم باسم الحرية.

الحرية في هذا الخطاب ليست قيمة إنسانية عامة، بل قالب محدد: أن تكون متاحًا، قابلًا للعرض، خاضعًا للتقييم والتداول؛ أما من يضع حدودًا لجسده وحياته، أو يختار الاختفاء عن أعين السوق، فيُعامل باعتباره تهديدًا يجب تشويهه ومحاربته، ولهذا نجد الكثير من المقالات النخبوية عن خطر النقاب على حرية المرأة، بينما يُقابل ملف جزيرة إبستين بتعتيم مريب، وكأن العار ليس في الجريمة، بل في كسر النموذج السائد.

السبب الجوهري أن الأخلاق الإسلامية تقف عائقًا مباشرًا أمام اقتصاد المتعة، وتضع قيودًا واضحة على تسليع الجسد، وتربط الحرية بالمسؤولية لا بالشهوة؛ ولهذا تُستهدف هذه الأخلاق لا باعتبارها عقيدة دينية فحسب، بل لأنها تهدد نظامًا عالميًا يقوم على الاستهلاك والانفلات تحت شعارات براقة.

قضية إبستين لم تفضح أفرادًا، بل عرّت منظومة كاملة، وأظهرت أن من يرفعون راية حقوق الإنسان قد يكونون الأكثر انتهاكًا لها حين تتعارض مع مصالحهم، كما أكدت أن الهجوم على الأخلاق الإسلامية ليس دفاعًا عن الحرية، بل دفاعًا عن عالم لا يعيش إلا بغياب الحدود.

وفي عالم اختلت فيه الموازين، تبقى الحقيقة واضحة؛ فالمشكلة ليست في القيم التي تحمي الإنسان، بل في حضارة تُبرر كل شيء ما دام يخدم أهواءها.

تم نسخ الرابط