حين تُفتح أبواب السماء.. هكذا كان النبي ﷺ يُحيي ليلة النصف من شعبان
مع اقتراب ليلة النصف من شعبان، تتجدد في وجدان المسلمين أسئلة الإيمان والاقتداء، وفي مقدمتها: ماذا كان يفعل النبي ﷺ في ليلة النصف من شعبان؟ سؤال لا ينبع من فضول معرفي فحسب، بل من شغفٍ صادق باغتنام ليلة وصفها العلماء بأنها من أعظم ليالي العام، ليلة تتنزل فيها الرحمات، وتُرفع فيها الأعمال، وتُغفر فيها الذنوب إلا عن قلوب أصرّت على القطيعة والبغضاء.
وفي وقتٍ لم تعد فيه الفرص تتكرر كثيرًا، تبدو هذه الليلة كمنحة ربانية قد لا يدركها العبد مرة أخرى، ما يجعل الاقتداء بهدي النبي ﷺ فيها ضرورة إيمانية قبل أن تكون عبادة موسمية.
تحظى ليلة النصف من شعبان بمكانة خاصة في التراث الإسلامي، إذ وردت في فضلها نصوص متعددة، وأحاديث نبوية صحيحة وحسنة، تؤكد أن الله تعالى يطّلع فيها على عباده، فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين، ويؤخر أهل الحقد كما هم.
وقد تعامل العلماء مع هذه الليلة باعتبارها محطة إيمانية سنوية لمراجعة النفس، وتنقية القلوب، وتجديد الصلة بالله، بعيدًا عن المظاهر، وقريبًا من جوهر العبادة.
ماذا كان يفعل النبي ﷺ في ليلة النصف من شعبان؟
تتبع الروايات الصحيحة ما كان عليه حال النبي ﷺ في هذه الليلة، فتُبرز ملامح واضحة لمنهجه التعبدي، القائم على الإخلاص، وطول القيام، وكثرة الدعاء، وسلامة الصدر.
قيام الليل وطول السجود
روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مشهدًا مؤثرًا من هذه الليلة، حين قام النبي ﷺ يصلي من الليل، فأطال السجود حتى ظنّت أنه قد قُبض، تقول:
«فقمت حتى حرّكت إبهامه فتحرّك، فلما رفع رأسه قال: يا عائشة، أتدرين أي ليلة هذه؟ هذه ليلة النصف من شعبان»
هذا المشهد يكشف عن عمق الخشوع، وكثرة التضرع، وطول الوقوف بين يدي الله، في ليلة اختارها النبي ﷺ للعبادة المكثفة.
رسالة نبوية حاسمة
من أبرز ما يلفت النظر في هدي النبي ﷺ في هذه الليلة، هو التحذير الصريح من آفات القلوب، وعلى رأسها: الحقد، والمشاحنة، والخصام.
ثلاثة أفعال تحرم المغفرة
قال الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن النبي ﷺ بيّن أن الله يغفر في هذه الليلة لكل عباده، إلا لمشرك أو مشاحن.
والمشاحن كما أوضح هو الذي يحمل في قلبه ضغينة، أو قطيعة، أو خصومة مع أخيه، ولم يسعَ إلى الصلح.
ويؤكد عثمان أن من أعظم القربات في هذه الليلة:
تصفية القلوب
رد المظالم
إصلاح ذات البين
العفو عمّن أساء
فالغفران هنا ليس مشروطًا بكثرة الصلاة فقط، بل بسلامة الصدر قبل كل شيء.
الاستغفار والدعاء.. مفتاح القبول في هذه الليلة
الاستغفار يتصدر الأعمال التي داوم عليها النبي ﷺ في هذه الليلة، وهو ما تؤكده الأحاديث التي نصّت على أن الله يغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين.
ويؤكد العلماء أن الدعاء في ليلة النصف من شعبان من أرجى أوقات الإجابة، خاصة إذا اقترن:
بحضور القلب
والإخلاص
واليقين في الله
والتوبة الصادقة
تلاوة القرآن والذكر.. عبادة بلا ضجيج
لم يكن إحياء هذه الليلة في هدي النبي ﷺ قائمًا على مظاهر أو طقوس جماعية مبتدعة، بل على عبادات خفية:
تلاوة القرآن
الذكر
التسبيح
الصلاة على النبي ﷺ
الصدقة وإطعام الطعام
وهي أعمال تُحيي القلب، وتربط العبد بربه، دون تكلف أو استعراض.
أربع ليالٍ يُستحب التفرغ لها
نقلت دار الإفتاء المصرية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله:
«يعجبني أن يفرغ الرجل نفسه في أربع ليالٍ: ليلة الفطر، وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان، وأول ليلة من رجب».
وهو ما يعكس إدراك الصحابة لقيمة هذه الليلة ومكانتها في خارطة العبادة السنوية.
ليلة النصف من شعبان 2026.. التوقيت الشرعي
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن:
ليلة النصف من شعبان 2026 تبدأ من مغرب يوم الإثنين 14 شعبان 1447هـ الموافق 2 فبراير 2026م
وتنتهي بفجر يوم الثلاثاء 15 شعبان الموافق 3 فبراير 2026م
وهي ساعات قليلة، لكنها قد تكون فاصلة في مصير الإنسان الأخروي.
هل يجوز الاحتفال بليلة النصف من شعبان؟
أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق، أنه لا حرج شرعًا في إحياء ليلة النصف من شعبان بالذكر وقراءة القرآن والدعاء، مشيرًا إلى أن ذلك داخل في عموم النصوص الواردة في فضلها.
واستشهد بحديث النبي ﷺ:
«إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها».
فضل ليلة النصف من شعبان.. بين النص والاجتهاد
ذهب بعض العلماء إلى أن فضل ليلة النصف من شعبان عظيم، حتى إن منهم من قارب بينها وبين ليلة القدر من حيث المنزلة، مستدلين بقوله تعالى:
«إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم».