مجدي يعقوب يكسر القاعدة: لم أُجبر أولادي على الطب ورفضوا العيش في ظلي
لا يقتصر اسم الدكتور مجدي يعقوب، جراح القلب العالمي، على إنجازات طبية غير مسبوقة أو مراكز علاجية تُضرب بها الأمثال في الرحمة والعلم، بل يمتد حضوره إلى مساحة إنسانية وعائلية تكشف جانبًا أقل ظهورًا من شخصيته، ذلك الجانب الذي يتجلى في حديثه عن أبنائه، واختياراتهم، وقيمهم، وعلاقتهم بالهوية والانتماء والعمل الإنساني.
خلال ظهوره الإعلامي الأخير، فتح يعقوب قلبه قبل أن يتحدث عن جراحته، كاشفًا تفاصيل إنسانية عميقة عن أسرته، وتربيته لأبنائه، ورؤيته لمعنى النجاح الحقيقي، مؤكدًا أن أعظم ما يفتخر به في حياته ليس فقط إنقاذ آلاف القلوب، بل المساهمة في صناعة جيل قادر على العطاء والاستمرار.
لم يُخفِ الدكتور مجدي يعقوب أمنيته القديمة بأن يلتحق أبناؤه جميعًا بكلية الطب، لكنه في الوقت ذاته أقرّ بصعوبة هذا الطريق وقسوته، مؤكدًا أن العمل في المجال الطبي، رغم عظمته، يتطلب تضحيات نفسية وجسدية كبيرة.
وأوضح يعقوب أنه لم يفرض على أبنائه مسارًا بعينه، بل ترك لهم حرية الاختيار، إيمانًا منه بأن الإبداع الحقيقي لا يولد إلا من الاقتناع الداخلي، لا من الضغوط الأبوية أو المجتمعية.
الابنة الصغرى: الطب بعيدًا عن الظل الكبير
اختارت ابنته الصغرى دخول كلية الطب، لكنها اتخذت قرارًا لافتًا بعدم التخصص في جراحة القلب، هروبًا من المقارنة أو الاستفادة من اسم والدها. فقد فضّلت التخصص في أمراض المناطق الحارة، إيمانًا منها بدورها في خدمة الفئات الأكثر احتياجًا.
ونقل يعقوب عنها قولها الصريح: «الناس كلها عارفة مجدي يعقوب، وأنا مش عايزة أكون تحت ظلك»، في جملة اختصرت فلسفة الاستقلال المهني التي غرَسها الأب في أبنائه.
الابنة الكبرى: طريق الإنسانية
أما الابنة الكبرى، ليزا، فقد اختارت مسارًا مختلفًا تمامًا، بعيدًا عن الطب التقليدي، لكنها لم تبتعد عن جوهر رسالة والدها حصلت ليزا على درجة الماجستير في العلوم الاجتماعية، في مجال التعليم من أجل التنمية المستدامة، وكرّست عملها للمشروعات الإنسانية والتنموية، خاصة في القارة الإفريقية.
وتعمل ليزا جنبًا إلى جنب مع والدها في عدة دول إفريقية، من بينها إثيوبيا ورواندا، للمساهمة في إنشاء مراكز متخصصة لعلاج أمراض القلب، في نموذج عملي يربط بين التعليم، والتنمية، والطب الإنساني.
الهوية واللغة
توقف يعقوب عند نقطة شديدة الحساسية، معترفًا بخطأ تربوي يراه اليوم بوضوح. فقد نشأ أبناؤه في إنجلترا، وكانت والدتهم تحمل الجنسية الألمانية، ما دفعها لتعليمهم اللغة الألمانية، في حين لم يُعلّمهم هو اللغة العربية، استنادًا إلى نصائح تلقاها آنذاك بضرورة اندماج الأطفال الكامل في المجتمع الإنجليزي بلغته وثقافته.
وأوضح يعقوب أن هذه النصائح لم تكن صحيحة بالكامل، وأن اللغة العربية كانت ستُشكّل جسرًا أعمق لارتباط أبنائه بالهوية المصرية واليوم، يحاول أبناؤه تعويض ذلك، عبر تعلم العربية والتحدث بها، في محاولة لاستعادة جذورهم الثقافية والانتمائية.
الأسرة في حياة الجراح العالمي
كشفت ليزا، خلال حديثها، عن الجانب الأسري الهادئ في شخصية والدها، مؤكدة أنه رجل عائلة من الطراز الأول، يحرص قدر الإمكان على قضاء وقت معهم، رغم انشغاله الدائم بالعمل.
وأوضحت أن العطلات الأسبوعية كانت مخصصة دائمًا للأنشطة العائلية، في رسالة واضحة عن أهمية التوازن بين النجاح المهني والحياة الأسرية، حتى في أكثر المهن ضغطًا
من لندن إلى أسوان: العمل الإنساني كامتداد للأسرة
أشارت ليزا إلى أنها تعمل منذ عام 2009 ضمن فريق والدها في مشروع «سلسلة الأمل» بأسوان، إلى جانب عملها في مستشفى أبو الريش، بالتعاون مع فرق طبية قادمة من لندن، مؤكدة أن العمل الإنساني بالنسبة للأسرة ليس وظيفة، بل أسلوب حياة.
كما كشفت أن والدها كان يتمنى أن يصبح جميع أبنائه أطباء، لكن الأهم بالنسبة له أن يصبحوا أشخاصًا نافعِين للمجتمع، أيًا كان المجال الذي يختارونه.
استضافت الإعلامية منى الشاذلي الدكتور مجدي يعقوب في حلقة استثنائية من برنامج «معكم منى الشاذلي»، بحضور عدد من تلاميذه وزملائه وأفراد أسرته. وبدأت الحلقة بفيلم تسجيلي استعرض مسيرته الطبية والإنسانية، ومقتطفات من تصريحاته المؤثرة التي علقت في وجدان الجمهور.
وقالت منى الشاذلي في مقدمة الحلقة: «حبيب القلوب وجراحها وطبيبها.. بنحبك يا دكتور مجدي»، في تعبير صادق عن مكانته الشعبية والإنسانية.
فلسفة الأجيال: العلم لا يتوقف
أكد يعقوب خلال اللقاء أن أكثر ما يفتخر به اليوم هو الجيل الجديد من الأطباء والعلماء، مشددًا على أن العلم سلسلة ممتدة، تبدأ بجيل وتستمر بآخر. وقال: «زي ما استفدنا من الأجيال اللي قبلنا، لازم نخلي بالنا من الأجيال اللي جاية، لأننا موجودين فترة محدودة».
تحدث يعقوب عن ما أسماه «روح أسوان»، وهي فلسفة قائمة على الخدمة، وتحسين النفس، واحترام المريض والزميل، مؤكدًا أن العلاقة بين الطبيب والمريض علاقة مقدسة، تقوم على الثقة والاحترام.
وأوضح أن قرار إنشاء مستشفى أسوان جاء استجابة لقوائم الانتظار الطويلة، قبل أن يتم التوسع لاحقًا في القاهرة بإنشاء مركز مجدي يعقوب للقلب، لتسهيل وصول المرضى وتقليل التكلفة.
العلاج بالمجان: العدالة الصحية
شدد يعقوب على أن مرضى القلب يتلقون العلاج دون مقابل، إيمانًا منه بأن الصحة حق إنساني أصيل، لا يجب أن يُقاس بالقدرة المادية.
وأكد أن 80% من سكان العالم لا يصلهم العلاج الحديث، داعيًا إلى تحقيق العدالة في التعليم والعلاج.