التعليم المصري على مسار الإصلاح الشامل بدعم الشراكة الأوروبية
في توقيت بالغ الأهمية، يعكس حجم التحديات التي تواجه منظومة التعليم المصرية، عقد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، اجتماعًا موسعًا مع السفيرة أنجلينا إيخهورست، رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي لدى جمهورية مصر العربية، والوفد المرافق لها، لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك في مجالات التعليم العام، والتعليم الفني، والتدريب المهني، وذلك في إطار الشراكة الاستراتيجية الممتدة بين مصر والاتحاد الأوروبي.
الاجتماع، الذي عُقد اليوم الثلاثاء، لم يكن لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل جاء كمنصة حوار تفصيلية لاستعراض جهود الإصلاح الجذري التي تنفذها الدولة المصرية داخل منظومة التعليم، وما تحقق منها على أرض الواقع، إلى جانب استكشاف آفاق جديدة للتعاون الدولي، خاصة في التعليم الفني وربطه بسوق العمل.
حضور دبلوماسي وفني يعكس جدية الملف
شهد الاجتماع حضورًا رفيع المستوى من الجانبين، حيث ضم وفد بعثة الاتحاد الأوروبي كلًا من أليس بيسلان، رئيس فريق التعاون الاقتصادي، وأحلام فاروق، مديرة مشروعات التعليم والتعليم الفني والتدريب المهني (TVET)، بما يعكس الاهتمام الأوروبي بالشقين الاقتصادي والتنموي للتعليم.
كما شارك من وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج السفير عيد عبد المحسن شافعي، الوزير المفوض بقطاع الشؤون الأوروبية، في إشارة إلى أن ملف التعليم بات جزءًا من الدبلوماسية التنموية للدولة المصرية.
ومن جانب وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، حضر كل من الدكتور أيمن بهاء الدين نائب الوزير، والدكتور عمرو بصيلة رئيس الإدارة المركزية لتطوير التعليم الفني ومدير وحدة تشغيل وإدارة مدارس التكنولوجيا التطبيقية، إلى جانب السفير ياسر عثمان مستشار الوزير للعلاقات الدولية والاتفاقيات، بما يؤكد الطابع التنفيذي والفني العميق للنقاشات.
خطة إصلاح شاملة تعالج أزمات متجذرة
استعرض وزير التربية والتعليم خلال الاجتماع ملامح خطة الإصلاح الشامل التي تنفذها الدولة المصرية لتطوير منظومة التعليم، مؤكدًا أن السنوات الأخيرة شهدت معالجة جذرية لأزمات تاريخية ظلت تعوق العملية التعليمية لعقود طويلة.
وأوضح الوزير أن الدولة واجهت ملفات شائكة، على رأسها الارتفاع غير المسبوق في الكثافات الطلابية داخل الفصول، والنقص الحاد في أعداد المعلمين، فضلًا عن تدني نسب حضور الطلاب في المدارس الحكومية، وهي أزمات وصفها الوزير بأنها كانت تهدد جوهر العملية التعليمية.
أكد محمد عبد اللطيف أن الوزارة نجحت، من خلال حسن إدارة الموارد المتاحة وتوظيف الإمكانات القائمة، في القضاء الكامل على مشكلة الكثافات المرتفعة، حيث انخفض متوسط عدد الطلاب في الفصل الواحد ليصل إلى أقل من 50 طالبًا على مستوى الجمهورية.
وأشار الوزير إلى أن هذا الإنجاز يمثل تحولًا نوعيًا في البيئة التعليمية، ويُتوقع أن تستمر معدلات الكثافة في الانخفاض خلال السنوات المقبلة، بما ينعكس إيجابًا على جودة التحصيل الدراسي ومستوى التفاعل داخل الفصول.
وفي السياق ذاته، كشف الوزير عن خطة الوزارة لإنهاء العمل بنظام الفترتين الدراسيتين في عدد كبير من المدارس، مؤكدًا أن الوزارة تستهدف القضاء الكامل على هذا النظام بحلول عام 2027، باعتباره أحد مظاهر الضغط على المنظومة التعليمية، والذي يؤثر سلبًا على جودة العملية التعليمية والانضباط المدرسي.
سد العجز في المعلمين وعودة الانضباط المدرسي
في ملف المعلمين، شدد الوزير على أن الوزارة تمكنت من سد العجز في معلمي المواد الأساسية بجميع المدارس، وهو ما ساهم في استقرار العملية التعليمية، وتحسين معدلات الأداء داخل الفصول.
أما على صعيد الانضباط المدرسي، فقد كشف الوزير عن قفزة غير مسبوقة في نسب الحضور، حيث ارتفعت من 9% في سنوات سابقة إلى 87% خلال العام الدراسي الحالي، بعد أن سجلت 85% في العام الماضي، مع توقع تجاوز نسبة 90% خلال العام الدراسي المقبل، وهو ما اعتبره مؤشرًا حقيقيًا على استعادة المدرسة لدورها التربوي والتعليمي.
وتناول الاجتماع ملف تطوير المناهج الدراسية، حيث أوضح الوزير أنه تم تطوير 94 منهجًا دراسيًا بمختلف المراحل التعليمية، مع توفير كتيب تقييمات لكل مادة لأول مرة، في خطوة تهدف إلى دعم الطالب والمعلم معًا.
وأكد أن عملية التطوير حافظت على نواتج التعلم الدولية، لكنها قدمت المحتوى بأسلوب أبسط وأكثر ملاءمة لقدرات الطلاب، بما يسهم في الفهم الحقيقي بدلًا من الحفظ والتلقين.
البرمجة والذكاء الاصطناعي في التعليم الثانوي
وفي إطار مواكبة الثورة التكنولوجية العالمية، كشف الوزير عن إدخال مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الأول الثانوي، بالتعاون مع دولة اليابان.
وأوضح أن اختيار اليابان جاء لكونها من الدول الرائدة عالميًا في التعليم والتكنولوجيا، فضلًا عن وجود رؤية استراتيجية مشتركة بين البلدين منذ سنوات، وسرعة التنفيذ والالتزام المتبادل في المشروعات التعليمية.
وفي ملف تحسين مهارات القراءة والكتابة، استعرض الوزير برنامج تنمية مهارات اللغة العربية الذي يتم تنفيذه بالتعاون مع منظمة «اليونيسف»، لمعالجة ضعف القراءة والكتابة لدى الطلاب.
وأشار إلى أنه تم تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية من البرنامج في 20 محافظة، ويجري حاليًا الإعداد للمرحلة الثالثة، ضمن خطة تستهدف الارتقاء بالمهارات الأساسية للتعلم، باعتبارها حجر الأساس لأي إصلاح تعليمي مستدام.
أجور المعلمين أولوية لا تقبل التأجيل
وشدد الوزير على أن نجاح الإصلاح لا يعتمد فقط على زيادة الإنفاق، بل يرتكز بالأساس على حسن إدارة الموارد، مؤكدًا أن تحسين أجور المعلمين يمثل أولوية قصوى للوزارة.
وأوضح أن الوزارة اتخذت بالفعل إجراءات لتحسين أوضاع المعلمين، وتواصل جهودها في هذا الملف، إيمانًا بأن المعلم هو الركيزة الأساسية لأي منظومة تعليمية ناجحة.
التعليم الفني رافعة للاقتصاد وجذب الاستثمار
خصص الوزير جزءًا كبيرًا من حديثه لملف تطوير التعليم الفني والتكنولوجي، مؤكدًا أن هذا القطاع يمثل أحد أهم محركات دعم الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات.
وأشار إلى نجاح نموذج الشراكة الدولية في التعليم الفني مع عدد من الدول، أبرزها إيطاليا، إلى جانب التعاون الوثيق مع القطاع الخاص، بما يضمن تخريج كوادر مؤهلة تحمل شهادات معترفًا بها دوليًا.
اعتماد دولي ومهارات تواكب سوق العمل
وأوضح الوزير أن الهدف من هذه الشراكات هو إتاحة فرص متنوعة للخريجين، من خلال تأهيلهم وفقًا للمعايير الدولية المعتمدة، بما يتواكب مع احتياجات السوقين المحلي والعالمي.
وأكد انفتاح مصر على الشراكة مع جميع الدول الراغبة في نقل الخبرات وبناء قدرات الطلاب، بما يعزز تنافسية الخريج المصري على المستويين الإقليمي والدولي.
نقل الخبرات وبناء منظومات جودة مستدامة
وأشار الوزير إلى أن الشراكات الدولية لا تقتصر على المناهج فقط، بل تشمل نقل الخبرات الفنية، وتدريب المعلمين، وبناء منظومات مستدامة للتدقيق والجودة، وضمان مواءمة المخرجات التعليمية مع المعايير الدولية.
وأكد أن هذا التوجه يمثل جوهر التعاون مع الشركاء الدوليين، ويعكس رؤية الدولة لبناء تعليم مستدام قائم على الجودة والابتكار.