قرار تاريخي من فرنسا.. حظر منصات التواصل للأطفال لمكافحة الإدمان والتلاعب النفسي
في تحرك وُصف بأنه الأخطر والأكثر جرأة في تاريخ التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي، أعلنت فرنسا عزمها فرض حظر شامل على استخدام الأطفال دون سن 15 عامًا لمواقع السوشيال ميديا، في خطوة تهدف إلى حماية الأجيال الناشئة من مخاطر الإدمان الرقمي والتلاعب النفسي والمحتوى غير الملائم.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كشف عن هذا التوجه الحاسم مؤكدًا أن بلاده تسابق الزمن لتطبيق الحظر مع بداية العام الدراسي الجديد في سبتمبر المقبل، في رسالة واضحة مفادها أن سلامة الأطفال النفسية والعقلية باتت أولوية لا تقبل التأجيل أو المساومة.
ماكرون يضغط لتسريع التشريع
وخلال تصريح مصوّر بثته شبكة BFM TV، أوضح الرئيس الفرنسي أنه وجّه الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة لتمرير التشريع المقترح، والعمل على إدراجه سريعًا ضمن أجندة مجلس الشيوخ، لضمان دخوله حيز التنفيذ في الموعد المحدد.
وأكد ماكرون أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما وصفه بـ"الانفلات الرقمي" الذي بات يهدد التوازن النفسي والاجتماعي للأطفال والمراهقين، مشددًا على أن التأخير في إقرار القانون يعني ترك الملايين من الصغار فريسة مفتوحة لخوارزميات لا تعرف الرحمة.
رسالة سياسية حاسمة
في لهجة غير معتادة، وجّه ماكرون انتقادات حادة لشركات التكنولوجيا العملاقة، مؤكدًا أن عقول ومشاعر الأطفال والمراهقين "ليست سلعة" للتلاعب أو الاستغلال، سواء من قبل شركات أمريكية كبرى أو خوارزميات صينية تعمل على تعظيم الأرباح على حساب الصحة النفسية.
وأوضح الرئيس الفرنسي أن الدولة تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية لحماية الجيل الجديد من الآثار السلبية المتزايدة لاستخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل، والتي لم تعد مجرد أدوات ترفيه، بل تحولت إلى مصادر ضغط نفسي وتشويه للهوية والسلوك.
أرقام صادمة عن الإدمان الرقمي
الأرقام التي استند إليها القرار الفرنسي تعكس حجم الأزمة التي تواجه المجتمعات الحديثة. إذ أشار ماكرون إلى أن نحو 50% من المراهقين يقضون ما بين ساعتين إلى خمس ساعات يوميًا أمام شاشات الهواتف الذكية، وهو معدل مقلق يعكس تحول الشاشات إلى رفيق دائم في حياة الأطفال.
كما كشف تقرير حديث نُشر في ديسمبر الماضي أن 90% من الأطفال والمراهقين بين 12 و17 عامًا يستخدمون الهواتف الذكية يوميًا للوصول إلى الإنترنت، بينما يعتمد 58% منهم بشكل أساسي على هذه الأجهزة للدخول إلى منصات التواصل الاجتماعي.
هذه الأرقام، بحسب خبراء التربية وعلم النفس، تفسر الارتفاع المتزايد في معدلات القلق، والاكتئاب، واضطرابات النوم، وتراجع التحصيل الدراسي بين الأطفال والمراهقين.
التحرك الفرنسي لا يقتصر على تقليل وقت الشاشة فقط، بل يهدف إلى وضع حواجز صارمة أمام تعرض الأطفال لمحتوى غير مناسب، مثل مشاهد العنف، وخطاب الكراهية، والتنمر الإلكتروني، والتحديات الخطرة التي انتشرت على نطاق واسع عبر السوشيال ميديا.
وترى الحكومة الفرنسية أن تحديد سن 15 عامًا كحد أدنى لاستخدام هذه المنصات يمنح الأطفال فرصة للنمو النفسي والاجتماعي بعيدًا عن الضغوط الرقمية، ويعيد للأسرة والمدرسة دورهما المحوري في التوجيه والتربية.
هل تصبح فرنسا نموذجًا عالميًا؟
قرار باريس فتح بابًا واسعًا للنقاش داخل أوروبا وخارجها، وسط تساؤلات حول إمكانية أن تحذو دول أخرى حذو فرنسا في مواجهة نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى.
ويرى مراقبون أن نجاح التجربة الفرنسية قد يشجع حكومات أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، خاصة في ظل تصاعد القلق العالمي من تأثير السوشيال ميديا على الأطفال، وتحول الإدمان الرقمي إلى أزمة صحية واجتماعية عابرة للحدود.
بين حماية الطفولة وحرية الاستخدام
ورغم الدعم الواسع للقرار، إلا أنه يثير جدلًا حول آليات التطبيق، وقدرة الدولة على فرض رقابة فعالة دون المساس بالحريات الرقمية لكن ماكرون حسم الجدل بقوله إن حماية الأطفال تأتي قبل أي اعتبارات أخرى، وإن الدولة لن تتردد في مواجهة أي تحديات قانونية أو تقنية.