وليد محمد محمود يكتب: ذو النون صاحب الحوت
قال تعالى في ذكر قصة نبي الله يونس -عليه السلام - في سورة الأنبياء : "وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين" ، وقال تعالي عنه -أيضا- في سورة القلم : "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ".
هاتان الآيتان تتحدثان عن سيدنا يونس -عليه السلام - لكن الملاحظ أن الآية الأولى وصفت سيدنا يونس- عليه السلام- بـ "ذي النُّونِ" ، أما الثانية فوصفته بـ"صَاحِب الْحُوتِ".
فما بلاغة استعمال هذين التعبيرين في موضعيهما ؟.
إن معرفة السياق مهم جدا في بيان بلاغة التعبيرالقرآني، وإذا نظرنا إلى السياق فإننا سنجد أن الآية التي ذكر فيها الوصف "ذو النون" جاءت في سياق الثناء على سيدنا يونس -عليه السلام -بعد أن استغفر ربه وأناب وهو في باطن الظلمات، ودعا ربه بدعائه:" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " ، فالمناسب للسياق هو "ذو النون" ؛ لأن (ذُو) بِمَعنى "صاحب" ولكن اشْترط فِيها أَن يكون الْمُضَاف أشرف من الْمُضَاف إِلَيْهِ، بِخِلَاف (صَاحب) ، فيُقَال: (ذُو الْعَرْش) لأن الله أعظم وأشرف من العرش ، فنقول ( ذو العرش ) ، وَلَا يُقَال: (صَاحب الْعَرْش) ؛ بينما كلمة "صاحب" يكون فيها المضاف أقل من المضاف إليه لذا تقول : "أبوهريرة صاحب رسول الله" ، ولا يجب أن تقول: "رسول الله صاحب أبي هريرة" ؛ لأن رسول الله أعلى منزلة من أبي هريرة .
وعَلى هَذَا قَالَ تَعَالَى: "وَذَا النُّون"، فأضاف سيدنا يونس عليه السلام إِلَى النُّون وَهُو -عليه السلام- أشرف من الْحُوت ، وأيضاً جاءت كلمة "النون" لِأَن لَفظه أشرف من لفظ الْحُوت ؛ لأنهما 'وإن كانا يطلقان على السمكة العظيمة -إلاّ أن الحوت يطلق على مطلق السمك صغيراً كان أو كبيراً ، بينما كلمة "النون " تطلق على القوى الضخم من الحيتان فقط ولا تطلق على الصغير منها.
لذلك عند معرض التكريم لسيدنا يونس بعد استغفاره جاءت الآية مناسبة للتكريم فقال تعالى "وذا النون".
بينما قال تعالى في سورة الكهف : "قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ" ، ذكر تعالى لفظ "الحوت " لصغر حجمها، ولم يقل "النون" ،وقال في الأعراف في نفس السياق : "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ".
*أما الآية الثانية التي جاءت فِي معرض النَّهْي عن اتبَاع يونس عليه السلام في غضبه وعدم الثناء عليه من الله كونه مليمًا ومخطئًا أَتَى بِلَفْظي "الْحُوت والصاحب" وهو التعبير الأقلّ ثناءً ومنزلة من (ذو النون) حيث قال تعالى : "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ"، إِذْ لَيْسَ فِي لفظ "الْحُوت والصاحب" مَا يشرّفه كما في (ذو النون) ولذا ناسبه السياق .
والذي يقوّي ما ذكرنا أنها -أي كلمة الحوت-وردت أيضاً في سياق الحديث عن ترك يونس عليه السلام لقومه وإتيانه ما يُلام عليه، حيث قال تعالى عن سيدنا يونس في سورة الصافات: "إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ " أي : وهو مذنب، فذكر "الحوت " نفيًا للثناء والتكريم ، وإظهارًا للوم .
فمقام الآيتين لما كان مختلفاً من حيث كونهما بين ذكر وثناء، ونهي ولوم، اختلف لفظا الوصف، فجاء لفظا " ذا النون " و"صاحب الحوت " على هذا النحو .
والله أعلم.