رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

موت مؤجَّل في غزة.. 18 ألف مريض عالقون بين الحصار وانهيار المنظومة الصحية

غزة
غزة

في مشهد إنساني بالغ القسوة، تتكشف يومًا بعد يوم ملامح كارثة صحية غير مسبوقة في قطاع غزة، حيث يعيش النظام الصحي حالة انهيار شبه كامل في ظل استمرار العدوان، وشح الإمكانيات الطبية، واستهداف البنية التحتية للمستشفيات وفي قلب هذه الأزمة، يقف أكثر من 18 ألفًا و500 مريض، بينهم آلاف الأطفال، على حافة الخطر، في انتظار فرصة إنقاذ قد لا تأتي في الوقت المناسب.

منظمة الصحة العالمية، التي تتابع الوضع الصحي في القطاع عن كثب، أطلقت تحذيرًا جديدًا يعكس عمق المأساة، مؤكدة أن هؤلاء المرضى بحاجة ماسة وفورية إلى الإجلاء الطبي خارج غزة لتلقي العلاج، بعد أن باتت المستشفيات المحلية عاجزة عن التعامل مع الحالات الحرجة والمعقدة.

تحذير أممي صريح: الأرقام تتحدث عن مأساة

مدير عام منظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس، كشف في بيان رسمي عبر منصة "إكس" عن حجم الكارثة، مشيرًا إلى أن أكثر من 18 ألفًا و500 مريض في قطاع غزة ما زالوا بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل، في ظل تدهور الأوضاع الصحية ونفاد الإمكانيات العلاجية.

وأوضح جيبريسوس، نقلًا عن وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس معاناة إنسانية حقيقية لأشخاص يواجهون خطر الموت يوميًا بسبب عدم توفر العلاج اللازم داخل القطاع

إجلاء محدود أمام احتياج ضخم

ورغم الجهود الدولية المبذولة، فإن عمليات الإجلاء الطبي ما زالت محدودة مقارنة بحجم الاحتياج الفعلي فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها دعمت، خلال الأسبوع الماضي فقط، إجلاء 18 مريضًا و36 مرافقًا من قطاع غزة إلى المملكة الأردنية الهاشمية، لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.

وشملت الحالات التي جرى إجلاؤها مرضى يعانون من إصابات بالغة جراء القصف، إضافة إلى مرضى السرطان وأصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة التي تتطلب تدخلات طبية متقدمة غير متوفرة داخل غزة حاليًا.

هذه الأرقام، رغم أهميتها، تظل قطرة في بحر الاحتياج، إذا ما قورنت بآلاف المرضى العالقين داخل القطاع، والذين ينتظرون دورهم في قوائم الإجلاء الطويلة.

الأردن في واجهة التضامن الطبي

وفي هذا السياق، عبّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية عن تقديره العميق للدور الذي تلعبه الأردن، مؤكدًا أن المملكة واصلت استقبال المرضى الفلسطينيين وتقديم الرعاية الطبية لهم، في موقف يعكس تضامنًا إنسانيًا مستمرًا مع الشعب الفلسطيني.

وأشار المسؤول الأممي إلى أن الأردن كانت من الدول السباقة في فتح مستشفياتها أمام جرحى ومرضى غزة، رغم التحديات والضغوط الإقليمية، معتبرًا هذا الدور نموذجًا للتكافل الإنساني في أوقات الأزمات.

أكثر من 30 دولة.. لكن الحاجة ما زالت قائمة

وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 30 دولة حول العالم استقبلت، منذ أكتوبر 2023، ما يزيد على 10 آلاف و700 مريض من قطاع غزة لتلقي العلاج، في مبادرات إنسانية ساهمت في إنقاذ آلاف الأرواح.

إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، لم تنجح بعد في سد الفجوة الهائلة بين عدد من تم إجلاؤهم وعدد من ما زالوا بحاجة ماسة إلى الإجلاء، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية مضاعفة.

الأطفال في قلب المأساة: 4 آلاف طفل ينتظرون النجاة

الأرقام الأكثر إيلامًا في تصريحات منظمة الصحة العالمية تتعلق بالأطفال، حيث أكد جيبريسوس أن من بين المرضى المحتاجين إلى الإجلاء الطبي العاجل، هناك نحو 4 آلاف طفل، يعانون من إصابات خطيرة، وأمراض مزمنة، وحالات سرطانية، وتشوهات ناجمة عن القصف.

هؤلاء الأطفال، الذين يفترض أن يكونوا في المدارس أو ساحات اللعب، باتوا أسرى للأسِرّة الطبية المتهالكة، أو ينتظرون دورهم في مستشفيات تفتقر إلى الأدوية والمستلزمات الأساسية، وسط انقطاع الكهرباء ونقص الوقود.

مستشفيات غزة.. بنية منهكة وقدرات شبه معدومة

الوضع داخل مستشفيات قطاع غزة لا يقل مأساوية عن أعداد المرضى فالكثير من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة، إما بسبب القصف المباشر أو نقص الوقود والأدوية، فيما تعمل المستشفيات المتبقية بأقل من طاقتها، وتعتمد على حلول إسعافية مؤقتة.

الأطباء والطواقم الطبية يواجهون ضغوطًا غير مسبوقة، ويضطرون في كثير من الأحيان إلى اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بأولوية العلاج، في ظل محدودية الموارد وكثرة الحالات الحرجة.

دعوة عاجلة لفتح المعابر وتوسيع الإجلاء

في ختام تصريحاته، وجّه مدير عام منظمة الصحة العالمية نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي، داعيًا إلى فتح مزيد من الدول أبوابها أمام مرضى غزة، وتوسيع نطاق عمليات الإجلاء الطبي بشكل فوري ومنتظم.

وشدد على أهمية استئناف عمليات الإجلاء الطبي إلى الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، باعتبارها خيارًا حيويًا يمكن أن يسهم في إنقاذ آلاف المرضى الذين لا يحتمل وضعهم الصحي مزيدًا من التأخير.

اختبار إنساني للمجتمع الدولي

أزمة الإجلاء الطبي في غزة لم تعد مجرد مسألة صحية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لضمير العالم، وقدرته على التحرك الفعلي لحماية المدنيين، وخاصة المرضى والأطفال، من موت بطيء يمكن تفاديه.

تم نسخ الرابط