رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

أمراض نفسية تحت المجهر.. ماذا يحدث داخل العقل المصري؟

المرض النفسي
المرض النفسي

في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، وتصاعد وتيرة التوتر في الحياة اليومية، يعود ملف الصحة النفسية في مصر إلى الواجهة من جديد، باعتباره أحد أكثر الملفات الصحية حساسية وتأثيرًا على استقرار المجتمع وبينما تتزايد الشكاوى من أعراض القلق والاكتئاب واضطرابات المزاج، يبرز تساؤل جوهري: ما هي أكثر الأمراض النفسية انتشارًا في مصر؟ وكيف يتم التعامل معها علاجيًا؟ وما الدور الذي يقوم به المجلس القومي للصحة النفسية في هذا الإطار؟

الإجابات جاءت على لسان الدكتور أحمد النحاس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية بالمجلس القومي للصحة النفسية، الذي كشف في تصريحات إعلامية عن خريطة الأمراض النفسية الأكثر شيوعًا، وآليات التشخيص، وتنوع المدارس العلاجية المعتمدة داخل المنظومة الصحية المصرية.

القلق والاكتئاب والفصام.. أمراض في صدارة المشهد

أكد الدكتور أحمد النحاس أن القلق والتوتر والاكتئاب، إلى جانب مرض الفصام، تأتي في مقدمة الاضطرابات النفسية المنتشرة بين المصريين، مشيرًا إلى أن هذه الأمراض تختلف في حدتها وأعراضها، لكنها تشترك جميعًا في تأثيرها العميق على جودة حياة المريض وقدرته على التكيف مع محيطه الاجتماعي والأسري.

وأوضح أن اضطرابات القلق والاكتئاب لم تعد حالات فردية أو استثنائية، بل أصبحت من الظواهر الصحية المتكررة، خاصة في ظل تسارع نمط الحياة، وضغوط العمل، والأزمات الاقتصادية، والتحديات الاجتماعية المتراكمة، وهو ما يستدعي التعامل معها باعتبارها قضية صحة عامة، لا مجرد حالات مرضية معزولة.

الفصام.. مرض مفاهيمه مغلوطة ومعاناته مضاعفة

وفيما يتعلق بمرض الفصام، شدد رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية على أن هذا الاضطراب لا يزال يواجه قدرًا كبيرًا من الوصم المجتمعي وسوء الفهم، رغم كونه مرضًا نفسيًا يمكن التعايش معه وعلاجه إذا تم تشخيصه مبكرًا وتقديم الرعاية المناسبة.

وأشار إلى أن الفصام ليس بالضرورة مرادفًا للعنف أو فقدان الإدراك الكامل، كما يعتقد البعض، بل هو اضطراب يؤثر على التفكير والإدراك والمشاعر، وقد تظهر أعراضه في صورة هلاوس أو أوهام أو اضطراب في السلوك، وهي أعراض يمكن السيطرة عليها بالعلاج الدوائي والمتابعة النفسية المستمرة.

من هو المريض النفسي؟ رؤية أوسع للتشخيص

لفت الدكتور أحمد النحاس إلى نقطة محورية تتعلق بمفهوم “المريض النفسي”، موضحًا أن المريض قد يكون شخصًا يعاني من اضطراب نفسي واضح، أو فردًا تظهر عليه تغيرات سلوكية أو نفسية يلاحظها المحيطون به قبل أن يدركها هو نفسه.

وأضاف أن كثيرًا من الحالات تبدأ بملاحظات من الأسرة أو الأصدقاء حول تغيرات في السلوك، أو الانعزال، أو العصبية الزائدة، أو فقدان الاهتمام بالحياة، وهو ما يؤكد أهمية دور الأسرة في الاكتشاف المبكر والتدخل في الوقت المناسب، بدلًا من تجاهل الأعراض أو إرجاعها إلى “ضغوط عابرة”.

مدارس العلاج النفسي في مصر.. تنوع علمي وخيارات متعددة

كشف رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية بالمجلس القومي للصحة النفسية عن وجود عدد من المدارس العلاجية النفسية المعتمدة في مصر، مؤكدًا أن المنظومة العلاجية لا تعتمد على أسلوب واحد، بل تقوم على تنوع علمي يتيح اختيار الأنسب لكل حالة.

وأوضح أن من أبرز هذه المدارس المدرسة التحليلية، التي تركز على تحليل جذور المشكلات النفسية والصراعات الداخلية المرتبطة بالطفولة والتجارب المبكرة، إلى جانب مدارس العلاج بالجلسات النفسية، التي تعتمد على الحوار المنظم، وتعديل الأفكار والسلوكيات السلبية، ومساعدة المريض على تطوير آليات صحية للتعامل مع الضغوط.

وأشار إلى أن هذا التنوع يعكس تطور مجال الصحة النفسية في مصر، وحرص الجهات المعنية على مواكبة الأساليب العلاجية الحديثة المعتمدة عالميًا.

المعالج النفسي.. كفاءة علمية ومسؤولية إنسانية

وشدد الدكتور أحمد النحاس على أن المعالج النفسي يجب أن يكون ملمًا بمختلف المدارس العلاجية، وقادرًا على اختيار الأسلوب الأنسب لحالة المريض، مؤكدًا أن العلاج النفسي لا يقوم على الوصفات الجاهزة أو الحلول الموحدة، بل على فهم دقيق لطبيعة الاضطراب، والخلفية النفسية والاجتماعية للمريض.

وأوضح أن كفاءة المعالج لا تقتصر على المعرفة الأكاديمية فقط، بل تمتد إلى المهارات الإنسانية، مثل القدرة على الإنصات، وبناء الثقة، واحترام خصوصية المريض، وهي عناصر أساسية في نجاح أي خطة علاجية.

وصمة المرض النفسي.. التحدي الأكبر

وفي سياق متصل، أشار مسؤولو الصحة النفسية إلى أن وصمة المرض النفسي لا تزال من أكبر التحديات التي تعيق توجه المرضى إلى طلب العلاج، حيث يخشى كثيرون من نظرة المجتمع أو الخوف من التصنيف، ما يؤدي إلى تأخر التشخيص وتفاقم الأعراض.

وأكدوا أن نشر الوعي المجتمعي، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول الأمراض النفسية، يمثلان خطوة أساسية في حماية الصحة النفسية للمواطنين، وتشجيعهم على التعامل مع الاضطرابات النفسية باعتبارها أمراضًا قابلة للعلاج، لا عيبًا أو ضعفًا شخصيًا.

المجلس القومي للصحة النفسية.. دور تنظيمي وتوعوي

يلعب المجلس القومي للصحة النفسية دورًا محوريًا في تنظيم منظومة العلاج النفسي، ووضع الضوابط والمعايير المهنية، إلى جانب الإشراف الفني والتوعوي، والعمل على تطوير الخدمات المقدمة للمرضى في مختلف المحافظات.

 

تم نسخ الرابط