إيران تدعو شعبها للنزول إلى الشوارع.. احتجاجات مضادة أم محاولة لاحتواء انفجار الغضب الشعبي؟
في تطور لافت يعكس حجم التوترات الداخلية التي تشهدها إيران، أعلنت السلطات الرسمية عن دعوة المواطنين للنزول إلى الشوارع في تظاهرات منظمة، في خطوة تهدف بحسب الرواية الرسمية إلى إدانة ما وصفته بـ«الأعمال الإرهابية» والوقوف في وجه الاضطرابات المتصاعدة التي تعصف بالبلاد منذ أسابيع.
الدعوة التي جاءت عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية، فتحت الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة المرحلة الراهنة، وحدود التداخل بين الاحتجاج الشعبي الغاضب والتحركات السياسية والأمنية التي تحاول احتواء الأزمة أو إعادة توجيهها.
دعوة رسمية غير معتادة.. السلطة تخاطب الشارع
أفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بأن السلطات دعت المواطنين في مختلف المحافظات الإيرانية إلى الخروج في تجمعات عامة يوم 12 يناير، في تحرك وصفته بأنه تعبير شعبي منظم ضد حالة الاضطراب التي تشهدها البلاد.
ووفقًا للبيان، فإن هذه الدعوة جاءت بتنسيق من مجلس تنسيق التنمية الإسلامية، وهو أحد الأطر المؤسسية التي تُستخدم عادة لحشد الرأي العام في القضايا التي تصفها الدولة بـ«المصيرية».
وتُعد هذه الدعوة لافتة في توقيتها ومضمونها، إذ تأتي في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات الشعبية ذات الطابع الاقتصادي، ما يعكس محاولة رسمية لإعادة تشكيل المشهد الاحتجاجي وتوجيهه نحو سردية سياسية وأمنية محددة.
إدانة “الأعمال الإرهابية”.. اتهامات مباشرة لواشنطن وتل أبيب
بحسب ما نقلته الهيئة الرسمية، فإن الهدف الأساسي من هذه التجمعات يتمثل في إدانة ما وصفته بـ«الأعمال الإرهابية التي ينفذها عملاء الولايات المتحدة وإسرائيل» هذا الاتهام المباشر يعكس استمرار الخطاب الإيراني التقليدي الذي يربط بين الاضطرابات الداخلية والتدخلات الخارجية، ويضع الاحتجاجات في إطار مؤامرة تستهدف استقرار الدولة والنظام السياسي.
وتؤكد السلطات، وفق الخطاب الرسمي، أن ما يجري في الشارع الإيراني لا ينفصل عن صراعات إقليمية ودولية، وأن هناك أطرافًا خارجية تسعى لاستغلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة لإشعال الفوضى وتقويض الأمن الداخلي.
ساحة انقلاب… نقطة الانطلاق الرمزية
حددت السلطات ساحة «انقلاب» في العاصمة طهران كنقطة مركزية لانطلاق الفعاليات الاحتجاجية، على أن تبدأ التجمعات في تمام الساعة الواحدة والنصف ظهرًا بتوقيت موسكو، يوم الاثنين الموافق 12 يناير.
واختيار ساحة انقلاب لا يخلو من دلالات رمزية، إذ تُعد من أبرز الساحات السياسية في طهران، وغالبًا ما تُستخدم لاستعراض المواقف الرسمية والحشود المؤيدة للنظام.
ومن المتوقع، وفق مراقبين، أن تشهد الساحة حضورًا مكثفًا، سواء من أنصار الحكومة أو من الجهات المنظمة، في محاولة لإظهار صورة وحدة وطنية في مواجهة ما تصفه السلطات بـ«التهديدات الخارجية».
جذور الأزمة: انهيار الريال يشعل الغضب
بعيدًا عن الخطاب السياسي، تعود جذور الاحتجاجات الحالية إلى أواخر ديسمبر 2025، حين شهد الريال الإيراني انخفاضًا حادًا في قيمته أمام العملات الأجنبية. هذا الانهيار السريع في سعر الصرف انعكس مباشرة على حياة المواطنين، حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل غير مسبوق، وتآكلت القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع.
وشكّلت التقلبات الحادة في سوق الصرف عاملًا رئيسيًا في تأجيج الغضب الشعبي، خصوصًا في ظل اعتماد الاقتصاد الإيراني بشكل كبير على الاستيراد، ما جعل أي تراجع في قيمة العملة المحلية ينعكس فورًا على أسعار الجملة والتجزئة.
من الأسواق إلى الشوارع.. احتجاجات بطابع معيشي
تركزت الاحتجاجات في بدايتها على المطالب الاقتصادية والمعيشية، حيث خرج المواطنون في طهران ومدن إيرانية أخرى للتعبير عن استيائهم من الغلاء وتراجع مستوى المعيشة.
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر متظاهرين يهتفون ضد ارتفاع الأسعار، ويحمّلون السلطات مسؤولية سوء الإدارة الاقتصادية.
ورغم محاولات التضييق الإعلامي، ساهمت هذه المقاطع في نقل صورة واضحة عن حجم الغضب الشعبي، وأظهرت أن الأزمة لم تعد محصورة في فئة اجتماعية بعينها، بل امتدت لتشمل شرائح مختلفة من المجتمع الإيراني.
استقالة مدوية.. البنك المركزي في قلب العاصفة
في خضم هذه التطورات، جاءت استقالة رئيس البنك المركزي الإيراني، محمد فرزين، كإحدى أبرز نتائج الأزمة الاقتصادية المتصاعدة الاستقالة التي وُصفت بأنها اعتراف ضمني بفشل السياسات النقدية، فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التغييرات في إدارة الملف الاقتصادي.
وعلى الفور، تم تعيين عبد الناصر همتي في منصب رئيس البنك المركزي، في محاولة لاحتواء التداعيات واستعادة الثقة في السياسة النقدية إلا أن مراقبين يرون أن تغيير الأشخاص قد لا يكون كافيًا لمعالجة أزمة بنيوية أعمق يعاني منها الاقتصاد الإيراني منذ سنوات.
بين الاحتجاج الشعبي والحشد الرسمي.. مشهد معقد
تطرح الدعوة الرسمية للنزول إلى الشوارع إشكالية واضحة: هل تسعى السلطات إلى مواجهة الاحتجاجات الشعبية بحشد مضاد، أم تحاول احتواء الغضب من خلال إعادة توجيهه نحو “عدو خارجي”؟ هذا السؤال يظل حاضرًا بقوة في أذهان المتابعين، خاصة في ظل تداخل الاحتجاجات العفوية مع التظاهرات المنظمة رسميًا.