الموت في قلب الجبل.. من يحمي عمال المحاجر من الرحلة الأخيرة؟
لم تعد حوادث عمال المحاجر في المنيا وغيرها مجرد أخبار عابرة، بل تحولت إلى نزيف مفتوح للأرواح، يكشف خللًا عميقًا في منظومة السلامة، سواء داخل مواقع العمل أو على طرق الوصول إليها، وصولًا إلى مستوى المعيشة والضمان الإنساني للعامل وأسرته.
ومن هنا، لم يعد السؤال: لماذا يموت عمال المحاجر؟ بل: كيف يمكن إنقاذ من تبقى؟ وما هي الإجراءات العملية القادرة على تحويل العمل في المحاجر من مغامرة قاتلة إلى مصدر رزق آمن وكريم؟
سلامة المواصلات.. الطريق ليس قدرًا
أحد أخطر الملفات التي تحصد أرواح عمال المحاجر هو ملف المواصلات، حيث يتم نقل العمال يوميًا في سيارات ربع نقل أو شاحنات غير مخصصة لنقل البشر.
إجراءات حتمية لحماية العمال أثناء التنقل:
تخصيص أتوبيسات مرخصة لنقل العمال، مزودة بمقاعد ثابتة وأحزمة أمان، بدلًا من سيارات البضائع.
منع التحميل الزائد بشكل صارم، وتوقيع غرامات فورية على المخالفين.
إلزام أصحاب المحاجر بعقود نقل رسمية مع شركات معتمدة أو أسطول نقل خاص يخضع للرقابة.
تحديد خطوط سير وسرعات قصوى على الطرق الصحراوية التي يستخدمها عمال المحاجر.
فحص دوري للسائقين (تحاليل مخدرات – كشف طبي – سجل مخالفات).
مرافقة دورية مرورية في أوقات الذروة التي تشهد نقل أعداد كبيرة من العمال.
الطريق إلى العمل يجب أن يكون آمنًا مثل موقع العمل نفسه، وإلا تحوّل الرزق إلى رحلة بلا عودة.
السلامة داخل المحاجر.. حياة العامل ليست هامشًا
داخل المحاجر، يتعرض العمال لمخاطر لا تقل فداحة: ماكينات مكشوفة، غبار خانق، معدات بدائية، وغياب شبه كامل لإجراءات السلامة المهنية.
إجراءات أساسية لا تقبل التسويف:
تطبيق صارم لقانون العمل رقم 12 لسنة 2003 فيما يخص بيئة العمل الآمنة.
تجهيز الماكينات بحواجز أمان تمنع الاحتكاك المباشر أو السقوط داخلها.
توفير أدوات الحماية الشخصية (خوذات – نظارات – قفازات – أحذية أمان – كمامات خاصة بالغبار).
تدريب إلزامي دوري للعمال على التعامل مع الماكينات وحالات الطوارئ.
تعيين مشرف سلامة مهنية داخل كل محجر، مع سجل تفتيش يومي.
وجود وحدة إسعافات أولية مجهزة وسيارة إسعاف قريبة أو نقطة طبية دائمة.
إيقاف العمل فورًا عند أي خلل فني أو غياب شروط الأمان، دون تحميل العامل المسؤولية.
الرقابة والمحاسبة.. لا حماية بلا قانون
غياب الرقابة هو الجدار الذي تتكسر عليه كل القوانين.
آليات رقابية مطلوبة:
حملات تفتيش مفاجئة من وزارة القوى العاملة والصحة والبيئة.
ربط تجديد تراخيص المحاجر بتقارير السلامة المهنية.
مسؤولية جنائية مباشرة على صاحب العمل في حال الإهمال أو التلاعب.
خط ساخن لحماية العمال للإبلاغ عن المخاطر دون خوف من الفصل.
نشر تقارير دورية للرأي العام عن أوضاع المحاجر وعدد الإصابات والوفيات.
العيشة الكريمة.. الأمان لا يكتمل بلا كرامة
السلامة وحدها لا تكفي، إذا ظل العامل يعيش على حافة الفقر، بلا ضمان صحي أو اجتماعي.
أسس العيش الكريم لعمال المحاجر:
تأمين صحي شامل يغطي إصابات العمل والعلاج طويل الأمد.
تأمين اجتماعي ومعاشات تضمن مستقبل الأسرة في حال الوفاة أو العجز.
حد أدنى عادل للأجور يتناسب مع خطورة العمل.
عقود عمل موثقة تحمي العامل من الفصل التعسفي.
دعم سكني أو بدل معيشة للعمال القادمين من مناطق بعيدة.
برامج دعم نفسي واجتماعي لأسر الضحايا والمصابين.
أسر الضحايا.. لا تتركوهم وحدهم
كل عامل يسقط، يترك وراءه أسرة تواجه مصيرًا مجهولًا.
واجب الدولة والمجتمع:
تعويضات عادلة وفورية لأسر المتوفين.
توفير فرص عمل لأرامل الضحايا بما يحفظ كرامتهن.
رعاية تعليمية كاملة لأبناء العمال لمنع التسرب من التعليم.
إنشاء صندوق وطني لدعم عمال المحاجر يمول من أرباح القطاع.