محاجر الموت في المنيا.. 11 جثة على الأسفلت ودم أبانوب يعيد فتح ملف الإهمال القاتل
في مشهد دموي جديد يضاف إلى سجل حوادث الطرق والعمل في مصر، استيقظت محافظة المنيا على فاجعة مروعة هزّت القلوب قبل أن تهز الأسفلت فعلى الطريق الصحراوي الشرقي، في المسافة الواقعة بين مركزي المنيا وسمالوط، وقع حادث تصادم عنيف بين سيارة نقل ثقيل وأخرى ربع نقل تقل عشرات من عمال المحاجر، لينتهي المشهد بمصرع 11 عاملاً وإصابة 10 آخرين، جميعهم خرجوا مع شروق الشمس بحثًا عن لقمة عيش، فعاد بعضهم جثامين، وبعضهم بين الحياة والموت.
الحادث لم يكن مجرد أرقام في بيان رسمي، بل كارثة إنسانية جديدة تؤكد أن عمال المحاجر لا يزالون يدفعون ثمن الإهمال، سواء على الطرق أو داخل مواقع العمل.
المشهد كان قاسيًا: سيارة ربع نقل محملة بعدد كبير من عمال المحاجر تحولت إلى كتلة من الحديد المحطم، وأجساد الضحايا متناثرة على جانبي الطريق جرى نقل المصابين إلى المستشفيات القريبة في سباق مع الزمن، بينما أُودعت جثامين الضحايا داخل المشرحة تحت تصرف جهات التحقيق، وسط صرخات الأهالي وانهيار ذويهم.
مصادر طبية أكدت أن الحصيلة النهائية بلغت 11 حالة وفاة و10 مصابين، بعضهم في حالات حرجة، مع استمرار المتابعة الطبية الدقيقة.
عمال المحاجر.. رحلة يومية محفوفة بالموت
الضحايا لم يكونوا ركابًا عابرين، بل عمال محاجر اعتادوا التنقل في سيارات غير مجهزة، دون أدنى معايير أمان، في رحلة يومية تبدأ قبل الفجر وتنتهي مع غروب الشمس سيارات مكشوفة، حمولة بشرية زائدة، طرق صحراوية سريعة، وسائقون يواجهون قدَرهم بلا حماية.
وأكد أهالي المنطقة أن هذا المشهد يتكرر يوميًا، لكن الحادث الأخير كشف حجم الخطر الحقيقي الذي يعيشه عمال المحاجر، ليس فقط داخل مواقع العمل، بل حتى في طريقهم إليه
مأساة أخرى تفتح الجراح: رحيل الدكتور أبانوب سعد
وفي الوقت الذي لم تلتقط فيه المنيا أنفاسها من حادث الطريق، عادت مأساة أخرى لتفرض نفسها بقوة، مؤكدة أن المشكلة أعمق من حادث مروري عابر مأساة رحيل الدكتور أبانوب سعد فايز، الذي توفي داخل أحد محاجر الطوب الأبيض بسمالوط، لتعيد فتح ملف السلامة المهنية المغلق منذ سنوات.
الدكتور أبانوب، الحاصل على درجة الدكتوراه في التربية الرياضية، لم يكن عاملاً عاديًا، بل شابًا طموحًا، عرفه الجميع بالأخلاق الرفيعة وحب العلم والعمل سنوات طويلة قضاها في التحصيل الأكاديمي، واضعًا نصب عينيه خدمة وطنه والمساهمة في تطوير قطاع الشباب والرياضة، قبل أن يخطفه الإهمال في لحظة قاسية.
شهادات تكشف الإهمال داخل المحاجر
بحسب شهود عيان، فإن الحادث الذي أودى بحياة الدكتور أبانوب نتج عن غياب تام لاشتراطات السلامة المهنية داخل المحجر. ماكينات متهالكة، دون حواجز أمان أو وسائل حماية، في مخالفة صريحة لقانون العمل رقم 12 لسنة 2003، الذي ينص بوضوح على ضرورة توفير بيئة عمل آمنة للعاملين.
وأكد مقربون أن الوفاة كانت مباشرة نتيجة هذا الإهمال، ما فجّر موجة غضب واسعة بين أهالي سمالوط، الذين اعتبروا أن ما حدث جريمة صامتة وليست مجرد حادث عرضي.
غضب ومطالبات بالمحاسبة
لم يتوقف الغضب عند حدود الحزن، بل تحول إلى مطالبات صريحة بفتح تحقيق شامل في أوضاع محاجر الطوب الأبيض، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير. عائلة الدكتور أبانوب وأصدقاؤه وجهوا مناشدات لوسائل الإعلام لتسليط الضوء على القصة الإنسانية وراء الحادث، مؤكدين أن رحيله يجب ألا يمر مرور الكرام.
كما طالبوا بتكريم اسم الراحل بما يليق بمسيرته العلمية، وجعل قضيته نقطة انطلاق حقيقية لإصلاح أوضاع السلامة المهنية داخل المحاجر.
زوجة مكلومة ومستقبل غامض
المأساة لم تتوقف عند فقدان شاب في مقتبل العمر، بل امتدت إلى أسرته الصغيرة زوجة الدكتور أبانوب تواجه اليوم واقعًا قاسيًا، وسط تحديات اقتصادية واجتماعية تهدد استقرار الأسرة ومستقبل الأطفال.
أحد أقاربه قال إن الزوجة تعيش أوضاعًا شديدة الصعوبة، مناشدًا المسؤولين التدخل لتوفير فرصة عمل تحفظ كرامتها وتساعدها على تربية أطفالها أما الزوجة نفسها، فقد اختصرت الألم في كلمات بسيطة لكنها موجعة:
"نعمل إيه؟ نروح فين؟.. جوزي مات وهو بيدور على لقمة عيش بالحلال.. نفسي أشتغل عشان أعرف أربي أولادي وأحافظ عليهم من الضياع."
بين الطريق والمحجر.. نزيف واحد
حادث الطريق الذي حصد 11 روحًا، ووفاة الدكتور أبانوب داخل المحجر، ليسا سوى وجهين لمأساة واحدة: غياب منظومة متكاملة لحماية عمال المحاجر طرق بلا رقابة، سيارات بلا تأمين، ومحاجر بلا سلامة مهنية.
النتيجة واحدة دائمًا: أرواح تُزهق، وأسر تُترك لمصير مجهول، وملفات تُفتح ثم تُغلق دون حلول جذرية.
جرس إنذار لا يحتمل التجاهل
مع تكرار هذه المآسي، تتجدد الأسئلة الملحّة:
من يحمي عمال المحاجر؟
ومن يحاسب على الإهمال الذي يحوّل أماكن العمل إلى مصائد موت؟
دماء الضحايا، وآخرهم عمال الطريق الصحراوي الشرقي والدكتور أبانوب سعد، يجب أن تكون جرس إنذار حقيقي، يدفع إلى تحرك عاجل لوضع حياة الإنسان فوق أي اعتبارات مادية، قبل أن تتحول محاجر المنيا وطرقها إلى مقابر مفتوحة لا تتوقف عن استقبال الضحايا.