ترامب يتحدّى العالم: لا قانون دولي فوق إرادتي وأخلاقي وحدها خط الدفاع الأخير
في تصريح يعكس رؤية صادمة لطبيعة الحكم وحدود القوة، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة جديدة من الجدل الدولي، بعدما أعلن صراحة أن القانون الدولي لا يشكّل قيدًا حقيقيًا على قراراته، وأن سلطته لا يحدّها سوى «أخلاقه الشخصية».
تصريحات بدت في مضمونها، وكأنها إعادة تعريف لدور الولايات المتحدة في النظام العالمي، وتحويل القواعد الدولية من مرجعية ملزمة إلى خيار قابل للتأويل.
«أخلاقي وعقلي فقط».. فلسفة حكم بلا قيود
في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، تحدث دونالد ترامب بلغة مباشرة وغير مألوفة في الخطاب السياسي التقليدي، مؤكدًا أن هناك شيئًا واحدًا فقط يمكنه كبح جماح طموحه وسلطته، قائلًا: «أخلاقي، عقلي هو الشيء الوحيد الذي يمكنه إيقافي».
وأضاف الرئيس الأمريكي، في محاولة لتخفيف حدة التصريحات: أنا لا أسعى لإيذاء الناس في إشارة إلى أن قراراته، مهما بدت صدامية تنطلق من وجهة نظره من قناعة أخلاقية ذاتية، لا من رغبة في الإضرار بالآخرين.
غير أن هذه العبارات فتحت بابًا واسعًا للتساؤلات: هل يمكن للأخلاق الشخصية، باعتبارها مفهومًا نسبيًا، أن تحل محل منظومة قانونية دولية وُضعت لضبط العلاقات بين الدول؟
القانون الدولي… التزام مشروط بالتفسير
رغم حدّة الموقف، أقرّ ترامب بأن إدارته، من حيث المبدأ، مُلزمة بالامتثال للقوانين الدولية، لكنه سرعان ما قيّد هذا الإقرار بعبارة أثارت قلق المراقبين، حين قال:
«الأمر يعتمد على تعريفك للقانون الدولي».
هذه الجملة القصيرة عكست رؤية انتقائية للقانون، تُخضعه لموازين المصالح السياسية، لا لنصوص الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. ويرى خبراء في الشؤون القانونية أن هذا الطرح يفرغ القانون الدولي من مضمونه، ويحوّله إلى أداة مرنة تُستخدم حين تخدم المصالح، ويتم تجاهلها حين تتعارض معها.
الهيمنة العالمية… طموح لا يخفيه الرئيس الأمريكي
حديث ترامب عن «كبح الرغبة في الهيمنة العالمية» لم يمر مرور الكرام، إذ اعتبره محللون اعترافًا صريحًا بطموح توسعي يتجاوز الخطاب الدبلوماسي المعتاد؛ فالرئيس الأمريكي لم ينفِ وجود هذه الرغبة، بل اكتفى بالقول إن ما يمنعه من الانفلات هو ميزانه الأخلاقي الشخصي.
ويرى مراقبون أن هذا النوع من الخطاب يعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية لزعماء ربطوا مصير دولهم برؤيتهم الذاتية للعالم، ما أدى في كثير من الأحيان إلى صراعات كبرى واضطرابات دولية.
جرينلاند في بؤرة الاهتمام.. من النفوذ إلى التملك
ضمن السياق نفسه، جاءت تصريحات ترامب بشأن جزيرة جرينلاند لتكشف جانبًا عمليًا من هذه الفلسفة السياسية. ففي الوقت الذي تدرس فيه إدارته الخيارات المتاحة لتعزيز السيطرة على الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي، شدد ترامب على أن مجرد سيطرة حليف للولايات المتحدة لا تكفي.
وقال بوضوح: الملكية مهمة للغاية مضيفًا: «أشعر أنها ضرورية نفسيًا للنجاح الملكية تمنحك أشياء وعناصر لا يمكنك الحصول عليها بمجرد توقيع وثيقة.
هذا الإصرار على «الملكية الحصرية والكاملة» أثار انتقادات واسعة، باعتباره يعكس عقلية ترى في الجغرافيا سلعة قابلة للتملك، لا كيانًا مرتبطًا بالسيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
منطق القوة بدلًا من الشرعية الدولية
تصريحات ترامب بشأن جرينلاند لا تنفصل عن رؤيته الأشمل للقانون الدولي. فالملكية، وفق منطقه، تمنح نفوذًا نفسيًا وسياسيًا لا توفره الاتفاقيات أو التحالفات، وهو طرح يتعارض بشكل مباشر مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي، التي ترفض الاستيلاء على الأراضي أو فرض السيطرة بالقوة أو الضغط السياسي.
ويحذر محللون من أن تبنّي هذا المنطق من قبل قوة عظمى قد يشكّل سابقة خطيرة، تشجّع دولًا أخرى على تجاهل القواعد الدولية والسعي لتحقيق مصالحها بالقوة.
مخاوف دولية وأسئلة مفتوحة
رغم غياب ردود رسمية حادة حتى الآن، إلا أن تصريحات ترامب أثارت قلقًا مكتومًا في الأوساط الدبلوماسية، خاصة في أوروبا ودول الشمال، التي ترى في ملف جرينلاند مسألة سيادة لا تقبل المساومة.