الصحة تكشف الأسباب الكاملة لحريق مصحة إدمان مرخّصة في بنها بعد مصرع 7 أشخاص
في واحدة من أكثر الوقائع إيلامًا التي هزّت الرأي العام خلال الأيام الماضية، تحوّلت مصحة لعلاج الإدمان بمدينة بنها من مكان يُفترض أن يكون ملاذًا للعلاج واستعادة الحياة، إلى مسرح مأساوي أودى بحياة سبعة أشخاص، وأصاب أحد عشر آخرين بحالات اختناق، بعد اندلاع حريق داخل المبنى الواقعة لم تكن مجرد حادث عرضي، بل فجّرت تساؤلات عميقة حول منظومة التراخيص، ومدى الالتزام باشتراطات السلامة، ودور الرقابة الدورية من الجهات المختصة.
حريق في مصحة مرخصة.. بداية الصدمة
بحسب ما كشفه الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، فإن المصحة التي شهدت الحريق “مرخصة رسميًا وحاصلة على موافقات الجهات المختصة”، وتعمل داخل مبنى مكوّن من دورين بمدخل مستقل هذه المعلومة، التي كان من المفترض أن تطمئن الرأي العام، تحولت سريعًا إلى عنصر صادم، بعدما أشار المتحدث إلى أن الترخيص لم يكن يعني بالضرورة الالتزام الكامل باشتراطات الحماية المدنية.
وأوضح عبد الغفار أن التحقيقات الأولية تشير إلى وجود قصور واضح في تطبيق شروط السلامة، الأمر الذي أدى إلى تعذر الإنقاذ السريع عند اندلاع الحريق، وهو ما تسبب في تأثر النزلاء بدخان كثيف، أسفر عن سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا في وقت قصير.
أرقام تكشف حجم الكارثة
وفقًا للتصريحات الرسمية، فإن إجمالي الطاقة الاستيعابية المرخص بها للمصحة لا يتجاوز 11 نزيلًا من بين هؤلاء، لقي 7 أشخاص مصرعهم، بينهم أربعة كانوا يخضعون للعلاج داخل المصحة وقت الحادث. هذه الأرقام تعكس نسبة وفيات مرتفعة للغاية، ما يطرح تساؤلًا خطيرًا حول جاهزية المكان للتعامل مع أي طارئ، ولو في حدوده الدنيا.
المفارقة المؤلمة أن المصحة لم تكن مكتظة، ومع ذلك لم تنجح إجراءات السلامة إن وُجدت في حماية هذا العدد المحدود من المرضى، وهو ما يعيد فتح ملف تجهيزات الطوارئ، ووسائل الإخلاء، وأنظمة الإنذار المبكر.
هل يجوز وجود مصحة داخل عمارة سكنية؟
سؤال طرحته الإعلامية لميس الحديدي خلال مداخلة هاتفية مع المتحدث باسم وزارة الصحة، وجاءت الإجابة كاشفة لتعقيد المشهد التشريعي فقد أوضح عبد الغفار أن نظام التراخيص مرّ بمرحلتين:
المرحلة القديمة: كانت تسمح بوجود المصحات داخل عمارات سكنية، شريطة وجود مدخل مستقل، وهو ما كان قانونيًا في ذلك الوقت.
المرحلة الحديثة: تشترط بشكل واضح أن يكون مقر المصحة مستقلاً تمامًا وبعيدًا عن الكتل السكنية.
هذا التباين بين القديم والجديد خلق واقعًا إشكاليًا، تعيش فيه منشآت صحية تعمل وفق تراخيص قديمة، لا تتوافق بالضرورة مع معايير السلامة الحديثة.
191 منشأة قديمة في القليوبية وحدها
الأرقام التي أعلنها المتحدث باسم وزارة الصحة جاءت لتضيف بعدًا أخطر للمشهد ففي محافظة القليوبية وحدها، يوجد نحو 191 مكانًا مرخصًا وفق النظام القديم. هذه المنشآت تخضع لما يُعرف بـ“توفيق الأوضاع”، وهو إجراء تدريجي يهدف إلى تحسين مستوى الالتزام دون الإغلاق الفوري.
وأشار عبد الغفار إلى أن محاولة إغلاق أو تعديل جميع التراخيص القديمة على مستوى الجمهورية دفعة واحدة “أمر بالغ الصعوبة”، مؤكدًا أن النهج المتبع عالميًا يقضي بتطبيق الاشتراطات الجديدة على المنشآت الحديثة فقط، مع إلزام القديمة بتحسين أوضاعها قدر الإمكان.
لكن هذا التبرير، وإن بدا منطقيًا إداريًا، يثير مخاوف حقيقية حين يتعلق الأمر بأماكن تضم مرضى في أوضاع صحية ونفسية شديدة الحساسية
صور وفيديوهات صادمة.. والكرامة الإنسانية في الميزان
عقب الحادث، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو قيل إنها من داخل المصحة، وأظهرت أوضاعًا وُصفت بأنها “غير إنسانية” وفي تعليق حاسم، أكد المتحدث باسم وزارة الصحة أن هذه المشاهد “غير مقبولة إطلاقًا، ولا تمثل أي معايير معتمدة لدى الوزارة، ولا الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية”.
وشدد على أن هذه المواد المصورة قيد التحقيق، وأن صحتها ومدى ارتباطها بالوضع الفعلي للمصحة سيتم حسمه من خلال الجهات المختصة، مؤكدًا أن الوزارة لن تتهاون في حال ثبوت أي انتهاكات.
الترخيص لا يعني الالتزام.. فجوة قاتلة
من أبرز النقاط التي سلطت التصريحات الرسمية الضوء عليها، التأكيد على وجود فرق جوهري بين “الحصول على الترخيص” و“الالتزام بشروطه”. فبحسب عبد الغفار، فإن بعض المقاطع المتداولة إن ثبتت صحتها تعكس انحرافًا كاملًا عن شروط الترخيص، رغم أن آخر تفتيش رسمي على المصحة كان في يونيو 2025.
وأوضح أن هذه المشاهد لم تكن موجودة وقت التفتيش الأخير، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول فاعلية الرقابة الدورية، وقدرتها على رصد التغيرات التي قد تطرأ على أوضاع المنشآت بين حملة تفتيش وأخرى
قرار عاجل من وزير الصحة.. تشديد الرقابة وإعادة التقييم
في ضوء هذه الكارثة، أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة أن الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس الوزراء ووزير الصحة، أصدر توجيهات مباشرة بإعادة تقييم نظام المتابعة والرقابة على جميع الأماكن المرخصة، لا سيما المصحات ومراكز علاج الإدمان.