السوشيال ميديا تفضح البيوت وتُحوّل الأطفال وذوي الإعاقة إلى سلع من أجل المال
في تحذير لافت يعكس حجم القلق المتصاعد داخل الأوساط الطبية والمجتمعية، أطلق الدكتور وليد هندي، أستاذ الطب النفسي، جرس إنذار بشأن التأثيرات الخطيرة لمواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن التحول الحقيقي والخطير بدأ منذ اللحظة التي أدرك فيها الناس أن «السوشيال ميديا» يمكن أن تكون مصدرًا مباشرًا للأرباح السريعة، دون ضوابط أخلاقية أو معايير إنسانية.
وخلال لقائه ببرنامج على قناة «المحور»، قدّم هندي قراءة نفسية واجتماعية معمّقة لظاهرة صُنّاع المحتوى، محذرًا من أن ما يجري حاليًا لم يعد مجرد ترفيه رقمي، بل تحول إلى تهديد مباشر للبنية القيمية والهوية المجتمعية.
حينما تحوّل المحتوى إلى أموال.. بداية الانهيار
يرى الدكتور وليد هندي أن الكارثة الحقيقية لم تكن في ظهور وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها، بل في اللحظة التي اكتشف فيها المستخدمون أن هذه المنصات تدر أرباحًا مالية ضخمة، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام موجات من المحتوى غير المسؤول.
وأوضح أن السعي وراء المال السريع أفرز نماذج تفتقر إلى الموهبة والفكر والرؤية، لكنها تمتلك الجرأة على اقتحام البيوت والعقول، دون أي اعتبار للذوق العام أو القيم الأخلاقية، مؤكدًا أن هذا التحول أنتج ما وصفه بـ«التلوث السمعي والبصري».
تلوث سمعي وبصري.. كذب واصطناع وتمثيل
بحسب أستاذ الطب النفسي، فإن جزءًا كبيرًا من المحتوى المنتشر حاليًا يقوم على الاصطناع والتمثيل والكذب المتعمد، بهدف إثارة الجدل وحصد المشاهدات، حتى لو كان الثمن هو تشويه الحقيقة أو خداع الجمهور.
وأشار إلى أن بعض صناع المحتوى تجاوزوا كل الخطوط الحمراء، فمارسوا هتك الأعراض وانتهاك الخصوصية، ولم يترددوا في عرض تفاصيل الحياة الأسرية على الملأ، محولين البيوت المصرية والعربية إلى «بيوت بلا جدران»، مفتوحة أمام الغرباء، بلا حماية نفسية أو اجتماعية.
سلعوا الأطفال وتاجروا بالمعاقين
وفي واحدة من أخطر النقاط التي أثارها، أكد الدكتور وليد هندي أن اللهاث وراء الأرباح دفع البعض إلى تسليع الأطفال، واستخدامهم كوسيلة لجذب المشاهدات، فضلًا عن المتاجرة بذوي الإعاقة، واستغلال معاناتهم الإنسانية لتحقيق مكاسب مالية.
وشدد على أن هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا باعتباره انحرافًا أخلاقيًا حادًا، يتناقض مع أبسط المبادئ الإنسانية، ويترك آثارًا نفسية عميقة على الأطفال، الذين يتحولون من ضحايا صامتين إلى أدوات للربح والشهرة.
برجماتية بلا قيم.. المال أولًا وأخيرًا
وأوضح هندي أن هذه الفئة من صناع المحتوى تحولت إلى نموذج صارخ لما يمكن تسميته بـالبرجماتية المنفلتة، حيث لا معيار سوى المال، ولا قيمة سوى الأرباح، ولا اعتبار لتداعيات نفسية أو اجتماعية أو تربوية.
وأضاف أن هذا النمط من التفكير يخلق أجيالًا ترى في أي وسيلة ـ مهما كانت مشوهة أو مهينة ـ طريقًا مشروعًا للثراء، وهو ما يهدد بتطبيع السلوكيات السلبية داخل المجتمع.
أخطر من الإرهاب.. زعزعة الهوية وتفكيك الوعي
وفي تصريح شديد اللهجة، أكد أستاذ الطب النفسي أن هؤلاء، بما يقدمونه من محتوى هدام، أخطر على المجتمع من الإرهاب، لأنهم يعملون على المدى الطويل، وبهدوء، على زعزعة الهوية وضرب القيم وتشويه الوعي الجمعي.
أرقام صادمة.. نصف الأطفال يحلمون بأن يكونوا صناع محتوى
وكشف الدكتور وليد هندي عن مؤشر نفسي واجتماعي بالغ الخطورة، يتمثل في أن نحو 50% من الأطفال في مصر باتوا يتمنون أن يصبحوا صناع محتوى، ليس بدافع الإبداع أو الرسالة، بل بسبب صورة الثراء السريع التي تروجها منصات التواصل.
وأوضح أن هذا الحلم، في حد ذاته، يعكس تحولًا عميقًا في منظومة الطموح لدى الأطفال، حيث تراجعت قيمة العلم والعمل والاجتهاد، مقابل الشهرة السريعة والمال السهل.