المعدن الاستراتيجي.. صراع القوى العظمى والتحولات التكنولوجية يشعلان أسعار الفضة
كشف تقرير مركز «الملاذ الآمن» عن تراجع أسعار الفضة محلياً بنسبة 4.6% خلال أسبوع واحد فقط، وهو هبوط جاء كانعكاس مباشر للاهتزازات التي ضربت البورصات العالمية، حيث شهدت أسواق المعادن الثمينة في مطلع هذا العام حالة من التذبذب الحاد الذي وضع المستثمرين في مواجهة مع حقائق اقتصادية معقدة.
تراجع أوقية الفضة
وأدى هذا الأمر إلى تراجع الأوقية بنحو 9%؛ وذلك إثر القرار المفاجئ لبورصة شيكاغو التجارية برفع هوامش التداول على العقود الآجلة للمرة الثانية خلال ثلاثة أيام، في خطوة وصفت بأنها "صدمة تنظيمية" استهدفت كبح جماح الارتفاعات القياسية التي سجلها المعدن الأبيض قبيل اختتام عام 2025، مما أدى إلى تراجع السعر العالمي من ذروته التاريخية عند 84 دولاراً ليستقر قرب مستويات 72 دولاراً للأوقية.
مكاسب الفضة العام الماضي
وعلى الرغم من هذا التصحيح السعري اللحظي، إلا أن المسار العام للفضة خلال العام المنصرم يعكس تحولاً جذرياً في نظرة الأسواق لهذا المعدن، فقد حققت الفضة مكاسب أسطورية تجاوزت 145% في السوق المحلية، حيث انطلقت رحلة جرام الفضة عيار 999 من مستوى 51 جنيهاً في مطلع 2025 لتستقر عند 125 جنيهاً، بعد أن بلغت قمتها عند 136 جنيهاً.
وهذا يتماشى مع الانفجار السعري العالمي الذي بلغت نسبته 148%، حيث قفزت الأوقية من 29 دولاراً إلى مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق من قبل، مما يعزز الفرضية القائلة بأن الفضة لم تعد مجرد "ظل للذهب"، بل أصبحت أصلاً استراتيجياً مستقلاً بحد ذاته، مدفوعاً باختلالات هيكلية عميقة في موازين العرض والطلب العالمية.
الفضة في قلب الصراع الجيوسياسي
تتجاوز أزمة الأسعار الحالية مجرد مضاربات مالية، لتكشف عن صراع نفوذ خفي بين القوى الشرقية والغربية على السلع الأساسية، وهو ما يمكن استقراؤه عبر المحاور التالية التي تتمثل في الهيمنة الصينية المتجددة، حيث تعيد الصين إحياء إرثها التاريخي كأكبر مستهلك ومتحكم في سوق الفضة، حيث تسعى حالياً لتعزيز سيطرتها على سلاسل التوريد عبر فرض قيود صارمة على الصادرات، مستغلة مكانتها كثاني أكبر منتج عالمي وقوة تكريرية عظمى، مما يضع الأسواق الغربية في مأزق حقيقي لتأمين احتياجاتها من هذا المعدن الحيوي.
كما أن العالم يواجه عجزاً مزمناً في المعروض نتيجة الطلب الصناعي الهائل الذي بلغ 680 مليون أوقية، تقوده صناعة الطاقة الشمسية التي تستهلك وحدها أكثر من 200 مليون أوقية سنوياً، مع توقعات بتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2030 نتيجة الاعتماد الكلي على الفضة في البنى التحتية الرقمية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي نظراً لموصليتها الكهربائية التي لا تضاهى.
إعادة التسعير الاستراتيجي
يرى المحللون أن الفضة مرشحة لتلعب دوراً محورياً في إعادة صياغة النظام النقدي العالمي، حيث تمثل أداة رئيسية في صراع السيادة على السلع، خاصة في ظل استنزاف المخزونات المتاحة تاريخياً، مما يجعل من أي تراجع سعري مؤقت مجرد "استراحة محارب" قبل انطلاقة جديدة يقودها النقص الحاد في السيولة المادية للمعدن.
وهذا التضافر بين التاريخ النقدي العريق للفضة وبين دورها المستقبلي كوقود للثورة التكنولوجية الرابعة، يضعنا أمام مشهد اقتصادي لا يتكرر كثيراً، حيث تتحول الفضة من مجرد حليّ وأدوات زينة إلى "العمود الفقري" لاقتصاد الكهرباء والذكاء الاصطناعي، مما يجعل تقلباتها الراهنة جزءاً من عملية إعادة تقييم كبرى لمكانتها في النظام المالي العالمي الجديد.