رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

علاء خليفة يكتب: حين تتحول الدعوة إلى صفقة

تفصيلة

حين يُستغل الدين كورقة سياسية، وتتحول الفتاوى إلى أدوات للمراوغة والتحايل على الواقع، نكون أمام ما هو أخطر من مجرد تنظيم سياسي أو حزب ديني؛ نموذج سلفي يركب الموجة ويأكل على كل الموائد، يبيع المواقف ويغطي الأخطاء بغطاء ديني، ويحوّل الدين نفسه إلى سلعة بلا ثوابت ولا مبادئ.

هذا هو الواقع الصادم للدعوة السلفية وحزب النور، حيث المصالح أولًا، والتنظيم ثانيًا، والدين آخرًا، والأعضاء فوق كل اعتبار، حتى وإن كانوا على خطأ فادح.

لم تعد المسألة خلافًا فكريًا أو اجتهادًا فقهيًا، بل نموذجًا صارخًا لتوظيف الدين في لعبة المصالح؛ فالمواقف لا تصدر عن مبدأ، بل عن ظرف، وما يُحرَّم اليوم قد يُبرَّر غدًا، وما يُدان بالأمس قد يصبح «ضرورة شرعية» حين تتغير موازين القوة؛ خطاب مطاطي يُعاد تشكيله باستمرار، لا لخدمة المجتمع أو القيم الدينية، بل لخدمة التنظيم وحساباته الضيقة.

الأكثر خطورة هو هذا الإصرار المرضي على احتكار الحقيقة؛ رأيهم هو الصواب المطلق الذي لا يقبل النقاش، ورأي غيرهم باطل لا يستحق حتى الاستماع؛ منطق يُلغي العقل، ويُصادر الاجتهاد، ويحوّل الدين من رسالة هداية إلى أداة فرز: معنا أنت على الحق، وضدنا أنت على الباطل، بلا درجات ولا مساحات وسطى.

وتتوالى الفتاوى الصادمة في توقيتات حساسة، لا لضرورة دينية حقيقية، بل لإثارة الجدل وفرض الحضور؛ فتاوى تُربك الشارع، وتفتح أبواب السخرية من الخطاب الديني، وتقدّم الدين للرأي العام كمنظومة متناقضة وعدائية مع الحياة، بينما يختفي جوهر القيم خلف ضجيج التحريم والتجريم.

وسقطت آخر الخطوط الحمراء، حين لم تعد حتى حرمة الموت محل احترام؛ فقد خرجت الدعوة السلفية ببيان تعزية في مقتل أبو عبيدة والسنوار، خلا من الرحمة والوقار، وحمل إدانة فجة وتشفيًا مقنّعًا، بقولها: «نسأل الله أن يجعل موتهم كفارة لمجازفتهم ومخالفتهم الأدلة الشرعية وتبعيتهم لأهل البدع»، فلم يكن البيان تعزية بقدر ما كان محاكمة، ولم يكن موقفًا شرعيًا بقدر ما كان استعراضًا قاسيًا للخصومة الأيديولوجية على جثمان الموتى.

هذا الموقف لا يكشف فقط قسوة في الخطاب، بل خللًا عميقًا في فهم الدين ذاته؛ فحرمة الميت أصل مستقر في الشريعة، والخوض في مصائر الناس بعد موتهم، وإصدار أحكام عقدية عليهم في لحظة الفقد، لا يمت للدعوة ولا للعلم بصلة، بل يعكس فقرًا أخلاقيًا قبل أن يكون خلافًا فقهيًا؛ هنا يُختزل الدين في أداة إقصاء، وتُستباح مشاعر الأحياء باسم «النصيحة» و«المنهج».

أما داخل الكيان، فالقواعد شيء آخر تمامًا؛ الأعضاء في المقام الأول، حتى وإن كانوا على خطأ فادح؛ لا محاسبة حقيقية، ولا مراجعة جادة، بل تبرير دائم وتسويغ مستمر، ما دام الخطأ صادرًا من «أهل التنظيم»، فيتحول الانتماء من التزام أخلاقي إلى عصبية تنظيمية، يُضحّى من أجلها بالحقيقة، ويُداس تحت أقدامها الصدق.

وفي كل مرحلة، يتبدل الخطاب دون أدنى اعتراف بالتناقض؛ لا اعتذار، لا مراجعة، ولا شجاعة مواجهة الذات، فقط انتقال ناعم من موقف إلى نقيضه، مع تغليفه بعبارات دينية جاهزة، وكأن الجمهور بلا ذاكرة، أو كأن الدين مجرد أداة تبرير لا أكثر.

نحن أمام مشروع لا تحكمه الدعوة بقدر ما تحكمه المصلحة، ولا يقوده الفقه بقدر ما تقوده الحسابات؛ مشروع يُجيد التلون، ويبرع في التكيف، لكنه يفشل دائمًا في الإجابة عن سؤال جوهري: أين المبدأ حين تتغير المصلحة؟

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما يُقدَّم باسم الدعوة التزام ديني حقيقي؟ أم مجرد صفقة سياسية تُدار بعبارات شرعية؟؛ سؤال لم يعد حبيس النخب، بل بات حاضرًا بقوة في وعي الشارع، الذي صار يرى التناقض بوضوح، مهما طال زمن الإنكار والمراوغة.

تم نسخ الرابط