«العائلة والسياسة في مصر».. كتاب جديد للدكتور حازم عمر يرصد استمرار التمثيل النيابي للعائلات
أصدر الدكتور حازم عمر، مدرس العلوم السياسية بكلية السياسة والاقتصاد بجامعة السويس، كتابًا جديدًا بعنوان «العائلة والسياسة في مصر.. لماذا استمر التمثيل النيابي للعائلات السياسية؟» عن دار المكتب العربي للمعارف، ويقدّم له الدكتور علي الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، متناولًا إحدى أكثر الظواهر رسوخًا في بنية الحياة السياسية المصرية، وهي ظاهرة العائلات السياسية ودورها المؤثر في تشكيل الخريطة النيابية.

ويتناول الكتاب تطور عضوية المجالس النيابية في مصر منذ أول انتخابات برلمانية أعقبت صدور دستور 1923 وحتى عام 2020، من خلال مقاربة اجتماعية وسياسية تسعى إلى تفسير أنماط السلوك الانتخابي لدى المواطنين، لا سيما في المناطق الريفية، كاشفًا عن استمرار الحضور القوي للعائلة في الحياة النيابية المصرية منذ نشأة التجربة البرلمانية الحديثة وحتى الوقت الراهن.
وينطلق المؤلف من اعتبار العائلة السياسية فاعلًا يتجاوز كونها رابطة اجتماعية تقليدية، لتغدو عنصرًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا مؤثرًا في موازين المنافسة الانتخابية وأنماط التمثيل النيابي، ويعرّفها بأنها العائلة التي تضطلع بدور سياسي ممتد داخل نطاق جغرافي محدد، ويُستدل على هذا الدور من خلال تعاقب تمثيل أكثر من فرد من أبنائها داخل المجالس النيابية عبر فترات زمنية متتالية.
ويؤكد الكتاب أن التجربة المصرية قدّمت نموذجًا مغايرًا لتنبؤات نظريات التحديث التي سادت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والتي افترضت تراجع الولاءات التقليدية لصالح الانتماءات الحزبية والمؤسسية، إذ أثبت الواقع السياسي والاجتماعي استمرار فاعلية روابط الدم وشبكات القرابة باعتبارها مكونات بنيوية راسخة في التفاعلات السياسية المعاصرة.
ويخصص أحد فصول الكتاب لمناقشة أثر علاقات القرابة في تشكيل النسق السياسي، مستندًا إلى دراسات ميدانية وإسهامات نظرية لعدد من أساتذة علم السياسة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، حيث يبرز الدور الذي تؤديه هذه العلاقات في دعم التماسك الاجتماعي والحفاظ على الاستقرار، من خلال آليات الضبط الاجتماعي وترسيخ الطمأنينة داخل المجتمع، بوصفها أحد الأهداف غير المعلنة للعملية السياسية.
كما يسلط الكتاب الضوء على الارتباط الوثيق بين علاقات القرابة والمجال الجغرافي، موضحًا أن التفاعلات السياسية لا تتشكل في فراغ، وإنما داخل أطر محلية محددة، تظهر فيها التحالفات العائلية والقبلية كعامل رئيسي في المنافسة الانتخابية داخل الدوائر المختلفة، بما ينعكس على نتائج الانتخابات وتركيبة المجالس النيابية.
ويكشف المؤلف أن العائلة السياسية تحولت مع مرور الوقت إلى ما يشبه «العلامة السياسية» الراسخة في الوعي الجمعي، مستندة إلى رصيد تراكمي من الخبرة السياسية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يمنح مرشحيها قدرة أكبر على الحشد والتعبئة، وأفضلية واضحة داخل السوق الانتخابي مقارنة بغيرهم.
وفي إطار مقارن، يستعرض الكتاب حضور العائلات السياسية في عدد من النظم السياسية المتباينة، سواء في الديمقراطيات الغربية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، أو في الدول النامية في آسيا وأفريقيا والعالم العربي، مؤكدًا أن الظاهرة ليست حكرًا على الحالة المصرية، وإنما تمثل نمطًا متكررًا تتباين أشكاله وآليات عمله باختلاف السياقات المؤسسية والثقافية.
وعلى مستوى الحالة المصرية، يتتبع الكتاب المسار التاريخي لمشاركة العائلات السياسية في الحياة الحزبية والنيابية منذ نشأة الأحزاب في أواخر القرن التاسع عشر، مرورًا بمرحلة التعددية الحزبية الأولى بين عامي 1923 و1952، ثم مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952، موضحًا أن نفوذ العائلات لم يتراجع بالكامل كما يُشاع، بل استمر، خاصة على المستوى المحلي، قبل أن يستعيد حضوره بصورة أوضح في مراحل لاحقة.
كما يرصد الكتاب تطور دور العائلات السياسية خلال مرحلة التعددية الحزبية المقيدة الممتدة من عام 1976 وحتى 2010، حيث ظل تأثيرها قائمًا في بنية التمثيل النيابي، ثم تراجع حضورها نسبيًا في برلمان 2012، قبل أن تعاود الظهور بقوة في برلماني 2015 و2020، في ظل قدرة بعض العائلات على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة.
ويقدم أحد فصول الكتاب خريطة تحليلية شاملة للعائلات السياسية في محافظات الوجهين البحري والقبلي، موضحًا أن الظاهرة شملت جميع المحافظات دون استثناء، حيث بلغ متوسط انتخاب نائبين أو أكثر من العائلة الواحدة نحو 52%، بينما وصل إجمالي عدد المقاعد التي شغلتها العائلات السياسية إلى 3622 مقعدًا من أصل 6967 مقعدًا انتخابيًا خلال الفترة من عام 1924 وحتى عام 2020.
ويختتم الكتاب بالتأكيد على أن دراسة العائلات السياسية تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة التمثيل النيابي في مصر، وحدود تأثير التحولات الاقتصادية والاجتماعية على أنماط السلوك السياسي، في ظل استمرار التداخل بين البنى التقليدية والمؤسسات الحديثة، بما يفتح المجال أمام قراءة أعمق للعلاقة بين المجتمع والسياسة في التجربة المصرية المعاصرة.