زاهي حواس يفتح النار: لا وادي ملوك ثان والتاريخ لا يُكتب بالوهم
أعادت المناظرة التلفزيونية التي جمعت عالم الآثار المصري ووزير الآثار الأسبق الدكتور زاهي حواس، والطبيب والباحث الدكتور وسيم السيسي، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد الثقافي المصري: من يملك حق الحديث باسم الحضارة المصرية القديمة؟ وأين يقف الحد الفاصل بين البحث العلمي الرصين، والادعاءات التي يصفها المتخصصون بـ«التخريف التاريخي»؟
المناظرة التي جاءت ضمن برنامج «نظرة» للإعلامي حمدي رزق، لم تكن مجرد نقاش عابر، بل تحولت إلى ساحة مواجهة فكرية حادة، دافع فيها حواس عن الأهرامات، وعن المنهج العلمي، وعن ما وصفه بـ«كرامة التاريخ المصري».
سؤال المناظرة: كمين إعلامي أم مواجهة علمية؟
بدأت الحلقة بسؤال مباشر من الإعلامي حمدي رزق إلى الدكتور زاهي حواس:
«هل نصبتَ كمينًا للدكتور وسيم السيسي في هذه المناظرة؟»
سؤال حمل في طياته إيحاءً بأن المواجهة كانت مُعدة سلفًا لإحراج طرف على حساب آخر إلا أن رد حواس جاء حاسمًا، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلق بشخص أو خلاف شخصي، وإنما بدفاع صريح عن الحضارة المصرية في مواجهة ما يراه تشويهًا علميًا متكررًا.
حواس: لدي مؤسسة للدفاع عن الحضارة وليس لمهاجمة الأفراد
أوضح الدكتور زاهي حواس أن لديه مؤسسة متخصصة تهدف إلى نشر الوعي الأثري والدفاع عن كل ما يخص الحضارة المصرية، مشددًا على أن تحركاته الإعلامية والعلمية تنطلق من هذا الإطار فقط.
وقال إن من حق أي باحث أو مفكر أن يطرح ما يشاء من آراء، لكن ليس من حقه بحسب تعبيره الظهور المتكرر في وسائل الإعلام لتقديم معلومات لا تستند إلى حقائق أثرية موثقة، وهو ما ينعكس سلبًا على وعي الجمهور.
«أحترم وسيم السيسي… لكنه لم يحترمني»
في واحدة من أكثر لحظات الحوار وضوحًا، أكد حواس أنه يكنّ احترامًا شخصيًا للدكتور وسيم السيسي، لكنه يرى أن هذا الاحترام لم يكن متبادلاً في الطرح الإعلامي.
وأوضح أنه لم يتعرض لشخص السيسي بأي إساءة، بل ناقش فقط ما يطرحه من أفكار وروايات حول التاريخ المصري القديم، معتبرًا أن النقد العلمي لا يُعد إهانة، بل ضرورة لحماية المعرفة من التشويه
كتب بلا دليل: «مكانها مزبلة التاريخ»
أطلق حواس واحدة من أكثر العبارات إثارة للجدل حين وصف بعض المؤلفات التي تتناول التاريخ المصري القديم بأنها «كتب تخريفية»، مؤكدًا رفضه التام لمناقشة أو الرد على أعمال لا تستند إلى أي دليل علمي.
وأشار إلى أن الكتاب الذي أثار الجدل خلال المناظرة لا قيمة علمية له، وأن وجود اسمه بداخله لا يمنحه مصداقية، موضحًا أن كثيرين يذكرون اسمه على حد قوله بحثًا عن الشهرة لا أكثر.
كيف تُنشر الكتب التاريخية رسميًا؟
كشف حواس عن الآلية المؤسسية الصارمة التي تحكم نشر الكتب المتعلقة بالتاريخ والآثار في مصر، موضحًا أن أي كتاب يُقترح نشره يخضع لمراجعة لجان علمية متخصصة بالمجلس الأعلى للثقافة.
وأكد أن هذه اللجان لا يمكن أن توافق على نشر مؤلف يقوم على افتراضات وهمية أو روايات بلا سند علمي، مشيرًا إلى أن الراحل الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق، كان من أكثر المدافعين عن هذا النهج الصارم في حماية المعرفة
الحسم النهائي: لا وجود لـ«وادي الملوك الثاني»
في قلب الجدل، حسم الدكتور زاهي حواس بشكل قاطع مسألة ما يُسمى بـ«وادي الملوك الثاني»، مؤكدًا أنه لا وجود له على الإطلاق.
وأوضح أن جميع ملوك الدولة الحديثة، من الأسرة الثامنة عشرة وحتى الأسرة العشرين، دُفنوا في وادي الملوك المعروف، شرقيًا وغربيًا، مع احتمال اكتشاف عدد محدود جدًا من المقابر داخل نطاق الوادي نفسه مستقبلًا، وليس في وادٍ آخر كما يروّج البعض.
لجان علمية فحصت الادعاءات… والنتيجة صفر
أكد حواس أن لجانًا علمية متخصصة تشكلت بالفعل لفحص مزاعم وجود «وادي ملوك جديد»، لكنها لم تعثر على أي دليل أثري واحد يدعم هذه الادعاءات.
وشدد على أن العلم لا يُبنى على الحكايات أو الروايات المرسلة، بل على الاكتشافات الميدانية، والوثائق، والتحليل العلمي الدقيق.
الأهرامات تحت الهجوم… وحواس في خط الدفاع الأول
تطرق حواس إلى محاولات سابقة لتشويه الحضارة المصرية، مستشهدًا بادعاءات أطلقها باحثون أجانب، من بينها زعم وجود «مزامير داود» تحت الأهرامات.
وأكد أنه كان ولا يزال في مقدمة من تصدوا علميًا لهذه المزاعم، مشددًا على أن الأهرامات رمز للعبقرية المصرية، ولا يجوز إخضاعها لأهواء أيديولوجية أو دينية
الحضارة المصرية ليست مستهدفة… بل مشوَّهة بالجهل
نفى حواس وجود «حملة منظمة» من أوروبا أو أمريكا للنيل من الحضارة المصرية، معتبرًا أن الخطر الحقيقي يأتي من الداخل، حين يُسمح بترويج أفكار غير علمية تحت مسمى البحث أو الاكتشاف.
وأكد أن النيل من الحضارة المصرية يبدأ حين يُستبدل العلم بالوهم، والمنهج بالدعاية.