رغم الشلل النصفي.. مهندسة ألمانية تهزم الإعاقة وتصل إلى الفضاء
في لحظة تاريخية تختلط فيها الجرأة بالعلم، والإنسانية بالتكنولوجيا، سجّل تاريخ رحلات الفضاء إنجازًا غير مسبوق، بعدما أصبحت مهندسة ألمانية تعاني من شلل نصفي سفلي أول مستخدمة لكرسي متحرك تصعد إلى الفضاء، في مهمة شبه مدارية على متن مركبة فضائية تابعة لشركة «بلو أوريجن» المملوكة لرجل الأعمال الأمريكي جيف بيزوس.
إنجاز لم يكن مجرد رحلة استكشافية قصيرة، بل رسالة قوية أعادت تعريف مفهوم الإتاحة والقدرة والحدود الممكنة للبشر، مهما كانت التحديات الجسدية.
رحلة إلى ما وراء المستحيل
الرحلة التي استغرقت نحو عشر دقائق فقط، حملت في طياتها سنوات طويلة من التخطيط والدراسة والتحدي فقد انطلقت المركبة الفضائية «نيو شيبرد» من غرب ولاية تكساس الأمريكية، حاملة طاقمًا ضم المهندسة الألمانية ميكائيلا بنتهاوس، التي تعاني من شلل نصفي سفلي وتستخدم كرسيًا متحركًا في حياتها اليومية.
وبرغم قِصر زمن الرحلة، إلا أن تأثيرها كان عميقًا، إذ أتاحت للطاقم أكثر من ثلاث دقائق من انعدام الوزن، وهو الحد الفاصل الذي يمنح الرحلة صفتها الفضائية شبه المدارية، ويفتح الباب أمام تجربة لا يعيشها سوى قلة قليلة من البشر حول العالم.
من الإعاقة إلى الريادة الفضائية
ميكائيلا بنتهاوس لم تكن مجرد راكبة على متن المركبة، بل مهندسة متخصصة شاركت في مسيرة علمية طويلة قبل أن تصل إلى هذه اللحظة التاريخية.
إصابتها بالشلل النصفي السفلي لم تكن نهاية لطموحها، بل بداية لمسار مختلف، أثبتت خلاله أن الإعاقة الجسدية لا تعني العجز عن المشاركة في أعقد المشروعات العلمية وأكثرها خطورة.
اختيارها ضمن طاقم الرحلة لم يكن قرارًا رمزيًا أو دعائيًا، بل جاء بعد تقييمات دقيقة لقدرتها على التكيّف مع ظروف الرحلة، والمشاركة الكاملة في التجربة الفضائية، ما يعكس تحولًا جذريًا في طريقة تفكير شركات الفضاء الخاصة تجاه مفهوم “الجاهزية البشرية”.
«نيو شيبرد».. مركبة بتصميم إنساني
مركبة «نيو شيبرد» التي نفذت الرحلة صُممت منذ البداية مع مراعاة معايير الإتاحة، وهو ما سهل مشاركة مهندسة تستخدم كرسيًا متحركًا دون الحاجة إلى تغييرات جذرية في البنية الأساسية للمركبة.
ووفقًا للتقارير، لم تتطلب الرحلة سوى تعديلات طفيفة، شملت ترتيبات خاصة للمقاعد، ونقاط تثبيت محسّنة، وإجراءات أمان مدروسة بعناية، بما يضمن سلامة جميع أفراد الطاقم، دون المساس بتجربة انعدام الوزن أو متطلبات الرحلة التقنية.
هذا التصميم يعكس فلسفة جديدة في صناعة الفضاء، تقوم على دمج الإنسان بكل تنوعه، بدلًا من فرض نموذج جسدي واحد باعتباره المعيار الوحيد للقدرة.
ثلاث دقائق من انعدام الوزن.. لحظة فاصلة
خلال الدقائق الثلاث التي عاش فيها الطاقم حالة انعدام الوزن، تجاوزت التجربة كونها إحساسًا فيزيائيًا نادرًا، لتتحول إلى لحظة رمزية فارقة فبالنسبة لميكائيلا، التي اعتادت العيش بقيود جسدية مفروضة، كانت تلك اللحظات بمثابة تحرر كامل من الجاذبية ومن الصور النمطية المرتبطة بالإعاقة.
شهادات الطاقم أكدت أن التجربة كانت ملهمة، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل أيضًا من حيث ما تحمله من دلالات علمية واجتماعية، تؤكد أن الفضاء لم يعد حكرًا على فئة محددة من البشر.
«بلو أوريجن» ورهان الفضاء المفتوح للجميع
شركة «بلو أوريجن»، التابعة لجيف بيزوس، تسعى منذ سنوات إلى ترسيخ مفهوم “الفضاء للجميع”، عبر رحلات شبه مدارية تهدف إلى توسيع دائرة المشاركين في التجربة الفضائية، سواء من العلماء أو المدنيين أو أصحاب القدرات الخاصة.
وتأتي مشاركة مهندسة تعاني من شلل نصفي ضمن طاقم الرحلة كخطوة عملية لترجمة هذا الشعار إلى واقع، وتأكيد أن شركات الفضاء الخاصة باتت لاعبًا رئيسيًا في إعادة رسم ملامح مستقبل السفر الفضائي، بعيدًا عن القيود التقليدية التي فرضتها البرامج الحكومية لعقود طويلة.
أبعاد إنسانية تتجاوز حدود العلم
الإنجاز لم يتوقف عند حد كونه سبقًا علميًا أو تقنيًا، بل حمل أبعادًا إنسانية عميقة، خاصة لملايين الأشخاص من ذوي الإعاقة حول العالم، الذين وجدوا في هذه الرحلة نموذجًا حيًا لإمكانية تحقيق الأحلام، مهما بدت بعيدة أو مستحيلة.
كما فتح الحدث نقاشًا واسعًا حول ضرورة دمج معايير الإتاحة في جميع مجالات العلوم المتقدمة، وليس فقط في الفضاء، بما يضمن مشاركة أوسع وأكثر عدالة في صناعة المستقبل.